بغداد – حرية | الجمعة 13 شباط 2026 – تقارير – خاص
في ظل تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن اتفاقًا مع إيران قد يُبرَم خلال الشهر المقبل، يتجدد الاهتمام بصياغة المشهد الإقليمي الممتد من طهران إلى واشنطن مرورًا بـإسرائيل ودول الخليج والعراق وتركيا والأردن وسوريا.
هذا المشهد لا يقتصر على مفاوضات نووية، بل يتداخل مع إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات، وسط تصعيد متدرج يرى فيه بعض المحللين تمهيدًا لتحولات جيوسياسية أوسع في المنطقة.
أولًا: خلفية الصراع الإيراني-الأمريكي
يمتد الصراع منذ الثورة الإسلامية عام 1979، مرورًا بأزمة الرهائن والعقوبات الاقتصادية، وصولًا إلى مرحلة «الضغط الأقصى» بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018.
الاتفاق النووي الذي وُقّع عام 2015 في عهد باراك أوباما شكّل محطة مفصلية، قبل أن تعود المواجهة إلى التصعيد السياسي والاقتصادي والأمني.
الملفات الرئيسية اليوم تشمل:
تخصيب اليورانيوم والرقابة الدولية.
برنامج الصواريخ الباليستية.
نفوذ إيران الإقليمي عبر حلفائها.
ثانيًا: المفاوضات المحتملة وحدودها
تصريحات ترامب تشير إلى رغبة في اتفاق سريع يجمّد التقدم النووي مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات.
غير أن أي اتفاق لن يكون تقنيًا فقط، بل سيحمل أبعادًا استراتيجية تتعلق بإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة.
ثالثًا: «حرب الـ12 يومًا» والتصعيد غير المباشر
شهدت المنطقة موجة تصعيد مكثفة بين إيران وإسرائيل، وُصفت إعلاميًا بـ«حرب الـ12 يومًا»، تضمنت ضربات متبادلة ورسائل عسكرية محسوبة، ما عزز القناعة بأن المنطقة تقف على حافة مواجهة أوسع، حتى وإن ظلت ضمن سقف الردع المتبادل.
رابعًا: الدور الإسرائيلي
إسرائيل ترى في المشروع النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا، وتتبنى استراتيجية الضربات الوقائية والردع المستمر.
تنسيقها مع واشنطن وثيق، لكنها تحتفظ بقرار مستقل في حال رأت أن أي اتفاق لا يضمن أمنها الاستراتيجي.
خامسًا: الدور الخليجي
دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، تسعى إلى:
تجنب حرب إقليمية واسعة.
ضمان أمن المنشآت النفطية.
الاستفادة من أي تهدئة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
السعودية خصوصًا تميل إلى مقاربة مزدوجة: انفتاح محسوب على طهران، مع بقاء الشراكة الأمنية مع واشنطن.
سادسًا: الدور العراقي
العراق يمثل ساحة تماس مباشرة بين النفوذين الأمريكي والإيراني.
استقراره يعتمد على توازن دقيق بين علاقاته مع طهران وواشنطن، خاصة في ظل التحولات السورية الجديدة التي قد تعيد رسم خطوط النفوذ على حدوده الغربية.
سابعًا: الدور التركي
تركيا تنتهج سياسة براغماتية قائمة على:
منافسة إيران في ملفات سوريا والعراق.
الحفاظ على علاقات استراتيجية مع واشنطن.
توسيع نفوذها في شمال سوريا ضمن حسابات أمن قومي تتعلق بالحدود والقضية الكردية.
ثامنًا: الدور الأردني
الأردن يركز على أمن حدوده الشمالية ومنع تسلل السلاح والمخدرات، ويحرص على تنسيق وثيق مع واشنطن ودول الخليج لتجنب ارتدادات أي تصعيد إقليمي.
تاسعًا: سوريا بعد بشار الأسد — تحول استراتيجي
شهدت سوريا تحولًا سياسيًا جذريًا بسقوط نظام بشار الأسد وصعود حكومة جديدة بقيادة أحمد الشرع.
أبرز التحولات:
إعادة التموضع الدولي
دمشق اتجهت نحو انفتاح مدروس على الغرب وبعض الدول العربية.
تقليص النفوذ الإيراني
تقارير متعددة تشير إلى تقليص الوجود العسكري المرتبط بطهران، ما يعكس تحولًا استراتيجيًا في السياسة السورية.
تنسيق أمني جديد
انخراط أكبر في ترتيبات أمنية إقليمية ودولية، خصوصًا في ملفات مكافحة الإرهاب وضبط الحدود.
هذا التحول يجعل سوريا عنصرًا مؤثرًا في أي معادلة تفاوضية بين واشنطن وطهران، بعدما كانت ساحة نفوذ شبه مطلقة لإيران خلال العقد الماضي.
عاشرًا: هل نحن أمام «خارطة جديدة»؟
يرى بعض المحللين أن هذا التصعيد المتدرج، وإعادة تشكيل التحالفات، قد يشكلان تمهيدًا لتحولات جيوسياسية أوسع تشبه الطروحات التي قدمها المؤرخ والمفكر الأمريكي برنارد لويس حول إعادة رسم الشرق الأوسط.
ورغم أن ما يُعرف إعلاميًا بـ«خريطة برنارد لويس» يبقى محل جدل واسع بين الباحثين، فإن واقع التفكك الإقليمي، وإعادة تشكيل موازين القوى، وتبدل التحالفات، يغذي السرديات التي تتحدث عن «شرق أوسط جديد» قيد التشكل.
السيناريوهات المستقبلية
اتفاق نووي محدود يخفف التوتر ويعيد ترتيب التوازنات.
اتفاق موسع يشمل الصواريخ والنفوذ الإقليمي.
فشل المفاوضات وتصعيد عسكري محدود.
استمرار إعادة تشكيل النفوذ الإقليمي عبر تحالفات أمريكية-عربية-تركية مع تموضع سوري جديد.
المشهد الإيراني-الأمريكي يقف عند لحظة مفصلية تتقاطع فيها الدبلوماسية مع إعادة رسم خرائط النفوذ.
التحول السوري الأخير، والتصعيد المحسوب بين إيران وإسرائيل، والحذر الخليجي، والدور التركي المتنامي — كلها عناصر تشير إلى أن المنطقة ليست فقط أمام مفاوضات نووية، بل أمام مرحلة إعادة تشكيل استراتيجية قد تعيد تعريف توازنات الشرق الأوسط لعقدٍ قادم على الأقل







