وكالة حرية | الثلاثاء 16 ايلول 2025
طالع الأسمري
تشير عدة دراسات إلى تقدم التوظيف القائم على إثبات المهارة على الاعتماد الحصري على الشهادة الأكاديمية، مع تباين في التطبيق بين القطاعات، ويؤكد ذلك ما خلص إليه تقرير مستقبل الوظائف 2025 من أن نحو 39% من المهارات الأساسية ستتغير بحلول 2030، (وقد قدر التقرير لعام 2023 تغير ما نسبته 44% من المهارات خلال خمس سنوات)، ما يعني أن معيار السوق الحقيقي هو الأثر الموثّق القابل للقياس لا الشهادة ولا اسم الجهة الأكاديمية، وأن على مؤسسات التعليم رفع إيقاع التجديد والتحديث لتخرج كفاءات بشرية بمهارات راهنة.
لم تعد معرفة الجامعات حول عدد المقررات، بل حول جودة المنجز القابل للقياس، النموذج الأجدر اليوم هو تحويل جزء من كل فصل دراسي إلى مشروع تطبيقي يرعاه شريك ذو صلة، وتقييمه عبر معايير أداء واضحة تنتهي بمحفظة إنجازات تعرض فيها النماذج الأولية، وقواعد البيانات، وحلول المشكلات الواقعية، وتسند هذه المحفظة باعتمادات دقيقة مرتبطة باختبارات أداء لا باجتياز الحضور، مع وجود حاضنات داخل الكليات تربط الطلاب بسلاسل القيمة، ودورات مكثفة قصيرة ذات اعتماد تحدّث باستمرار وفق احتياجات السوق، هكذا تتحول الجامعة والكلية من ناقل للمعرفة إلى منتج كفاءة ويغدو خريجها معروفاً بما أنجزه لا بما كُتب في وثيقته!
انتقلت شركات عالمية عديدة إلى تخفيف شرط الدرجة العلمية أو قبوله بديلاً بخبرة معادلة مثل (Google وApple)، بينما أعلنت IBM إسقاط الدرجة لأكثر من نصف وظائفها في الولايات المتحدة، هذا التحول يجسر نهج «المهارات أولاً» الذي يقدم الكفاءة المثبتة على المؤهل الورقي، بينما تشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD إلى اتساع اعتماد أصحاب العمل على تقييم المهارات مباشرة من اختبارات أداء وعينات عمل ومحافظ رقمية مقابل تراجع الوزن الحاسم للدرجة الأكاديمية.
وإذا أردنا قراءة ملامح المستقبل، فإن خارطة المهارات الجديدة تبدو أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، فالمهارات الرقمية مثل الذكاء الاصطناعي، وأمن المعلومات، وتحليل البيانات، التحول الرقمي باتت اللغة المشتركة لجميع القطاعات تقريباً، إلى جانبها تبرز المهارات المعرفية المتقدمة مثل التفكير النقدي وحل المشكلات المعقدة التي تضمن أن يبقى الإنسان شريكاً للخوارزميات لا تابعاً لها.
أما المهارات الناعمة من قيادة وتعاون وتعلّم مدى الحياة، فهي التي تميّز البشر عن الآلة وتحفظ مكانتهم في المنظمات، ولا يقل عنها أهمية صعود المهارات الخضراء المرتبطة بالاستدامة والاقتصاد الدائري، في ظل التزام الاقتصادات الكبرى بتحقيق أهداف خفض الانبعاثات والتحول نحو مستقبل منخفض الكربون وتشير تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن الطلب على المهارات الخضراء قد يرتفع بنسبة 55% بحلول 2030، لتصبح من أكثر المجالات نمواً في سوق العمل العالمي.
سرعة التقادم حقيقة راسخة أمام «الاقتصاد المهاري» يتمثل في سرعة تقادم المهارات نفسها، فالمهارات التقنية التي تمنح صاحبها ميزة اليوم قد تفقد قيمتها خلال سنوات قليلة قادمة مع تسارع وتيرة الابتكار، ففي دراسة أكاديمية حديثة صادرة عن جامعة زيورخ تؤكد أن المهارات الصلبة (Hard Skills) تتقادم بمعدل أسرع من المهارات الناعمة (Soft Skills)، وأن التعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) هو الأداة الأكثر كفاءة وفاعلية للحد من هذا التآكل والحفاظ على التنافسية المهنية، وبحسب الدراسة فإن الأشخاص الذين يواصلون الجهد في التدريب وتطوير مهاراتهم يحافظون على فرص أفضل في سوق العمل، مقارنة بمن يكتفون بما تعلموه في مراحل التعليم المختلفة من حياتهم.
من بين الحلول المبتكرة التي يجري العمل عليها عالميا، ما يُعرف بـDigital Skills Wallet، وهي محفظة رقمية توثّق مهارات الفرد بشكل معياري معتمد، يمكن للشركات الاطلاع عليها عالميًا، المنتدى الاقتصادي العالمي يرى أن هذه المحافظ قد تصبح خلال العقد القادم مثل «بطاقة هوية مهنية» تحدد القيمة الاقتصادية للفرد في أي سوق عمل.
وخلاصة القول الشهادات الأكاديمية لن تختفي، لكنها تفقد حصانتها، الاقتصاد الجديد يكافئ المهارة المثبتة والقابلة للتجدد، والسؤال الصحيح لم يعد ماذا درست أو من أين تخرجت، بل ماذا تتقن الآن؟ وما خطتك للتعلم غداً؟ نحن أمام اقتصاد يحتاج مواهب متنوعة لا تتوقف عن رحلة التعلم مدى الحياة، وتحوّل معرفتها إلى أثرٍ ملموس، لسنا أمام تحوّل ضد الجامعات، بل نقلة نوعية تصبّ في صالح الإنسان القادر على التجديد الدائم، ومن يثبت مهارته اليوم ويطورها غداً، يمتلك أدوات اقتصاد الغد.







