حرية | الثلاثاء 10 آذار 2026
باتت عبارات مثل النظام الدولي والعدالة الدولية والضمير العالمي وحقوق الإنسان اليوم، أقرب إلى الرومانسيات السياسية منها إلى المفاهيم الحاكمة للعلاقات بين الدول.
عالم يُدار من قِبل قطب واحد قادر على فرض تعريفه الخاص للخير والشر، وتحديد متى تكون الحرب ضرورة أخلاقية، ومتى يصبح السلام ترفاً مؤجلاً، ومن ثم يطلب من الآخرين أن يصفقوا لهذا التعريف أو يدفعوا كلفته السياسية والعسكرية والاقتصادية.
في مثل هذا العالم، لا تُقرأ تصريحات السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، وهو يطالب دول الخليج بالدخول في الحرب على إيران، على أنها مجرد انفعال سياسي عابر، بل تعبير صارخ يكشف عن عقلية الوصاية المعتادة. فهو لا يعترف بحق دول الخليج في تقدير مصالحها وأولوياتها، وإنما يراها مجرد وحدات احتياط يملك حق استدعائها حين تقرر واشنطن أن ساعة القتال قد حانت.
والمشكلة هنا لا تتعلق بشخص غراهام وحده، فالرجل يقول بصوت مرتفع ما يختبئ غالباً خلف اللغة الدبلوماسية المهذبة. يقول من دون مواربة، إن على الحليف أن يشارك في الحرب التي لم يقررها، وأن يقاتل في المعركة التي لم يُستشر فيها، وأن يتحمل النتائج لأن القوة الكبرى قررت أن هذه الحرب تخدم «المصلحة المشتركة».
هذه هي خلاصة الغطرسة الأميركية في أنقى صورها: نحن نحدد الخطر، ونحن نحدد ساعة الحرب.
ما يجري اليوم في الحرب على إيران يقدم نموذجاً صارخاً لهذا الاختلال. التصعيد دفع المنطقة كلها إلى حافة النار، والصواريخ والطائرات المسيرة تسقط فوق جغرافيا حقيقية يعيش عليها ملايين البشر، وأسواق حقيقية تتصل بها الطاقة والتجارة والملاحة والاستثمارات.
ومع ذلك يخرج من واشنطن من يتحدث وكأن المطلوب من دول الخليج أن تتصرف كأنها جزر معزولة عن شعوبها واقتصاداتها ومدنها ومطاراتها وموانئها، وأن تدخل الحرب فقط لإثبات حسن النية لحليف يملك ترف إشعال المعارك من بعيد، ثم محاسبة الآخرين على درجة حماسهم لها.
دول الخليج، في موقفها المعلن، لم تنكر الخطر الإيراني، ولم تتعامل مع الاعتداءات على أمنها بخفة، لكنها في ذات الوقت لن تمنح أحداً حق مصادرة قرارها السيادي أو تحويل جيشها إلى أداة في مشروع لا تتحكم هي في توقيته ولا في سقفه ولا في نهايته.
هذه ليست حيادية أو رمادية، ولا تردداً، ولا هروباً من المسؤولية. هذا تعريف الدولة لنفسها حين ترفض أن يكون جيشها رهن حروب صاغها آخرون.
وأن التحالفات بين الدول أيضاً لا تعني أبداً التنازل عن القرار السيادي في قضايا الحرب والسلام. فالدول لا تدخل الحروب لإثبات حسن نيتها لحلفائها، بل حين ترى أن مصالحها الوطنية تقتضي ذلك.
وحتى الحديث المتكرر عن «توفر الحماية» لدول المنطقة يتجاهل حقيقة بسيطة، وهي أن هذه العلاقة لم تكن يوماً عملاً خيرياً، بل شراكات أمنية واقتصادية تدفع دول الخليج مقابلها مليارات الدولارات في صفقات السلاح والتعاون الدفاعي.
ولذلك فإن تصوير الأمر كأن المنطقة مدينة بالحرب لمن يبيعها السلاح ليس سوى امتداد آخر لمنطق الوصاية الذي يحاول فرض نفسه على العلاقات الدولية.
تكشف تصريحات غراهام أزمة عميقة في الفهم الأميركي للعالم، وما يحدث اليوم ليس سوى امتداد لمنطق قديم في ثوب جديد: رسوم جمركية تُفرض بقرار أحادي، أساطيل تتحرك من دون تفويض حقيقي، حدود تُعاد صياغتها، ورؤساء يُغتالون أو يُختطفون.
ويُقدم هذا السلوك بوصفه دفاعاً عن «النظام العالمي» و«العالم الحر» و«الحرب على الإرهاب»، بينما هو في جوهره تعبير آخر عن اختلال موازين القوة وإدمان الفوضى.






