بغداد – الجمعة 20 شباط 2026 – خاص – أعداد القسم السياسي والتحليلي
العالم على حافة إعادة التشكل
من أنقرة إلى واشنطن… ومن بروكسل إلى البحر الأصفر
هل نحن أمام نظام دولي جديد أم تصعيد بلا قواعد؟
يشهد العالم في هذا التوقيت لحظة كثيفة سياسياً واستراتيجياً، تتقاطع فيها ملفات الشرق الأوسط مع أوروبا، وتشتبك فيها حسابات واشنطن مع موسكو وبكين، فيما تحاول العواصم الإقليمية إعادة تموضعها داخل نظام دولي لم يستقر بعد.
لقاء بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الأميركي دونالد ترامب، تصعيد في ملف إيران، إعلان تكتل اقتصادي أوروبي جديد، إحباط مؤامرة اغتيالات في كييف، مواجهة جوية أميركية – صينية فوق البحر الأصفر، وتحذيرات يابانية من “الترهيب” الصيني… كل ذلك يحدث في توقيت متزامن، ما يطرح سؤالاً مركزياً:
هل نحن أمام إعادة هندسة للنظام الدولي أم أمام مرحلة اضطراب ممتدة بلا أفق واضح؟
أولاً: لقاء أردوغان – ترامب… محاولة ضبط الإقليم أم إعادة توزيع أدوار؟



شهدت الساحة السياسية الدولية لقاءً رفيع المستوى جمع بين رجب طيب أردوغان ودونالد ترامب، في وقت تتراكم فيه الأزمات من غزة إلى أوكرانيا، ومن الملف النووي الإيراني إلى التوازنات داخل حلف الناتو.
1. البعد الإيراني
الملف الإيراني كان في صدارة النقاشات. أنقرة تحاول لعب دور الوسيط القادر على فتح قنوات خلفية، فيما واشنطن تلوّح بالخيار العسكري المحدود.
تركيا تدرك أن أي ضربة لإيران لن تبقى محصورة جغرافياً، بل ستنعكس على سوريا والعراق وشرق المتوسط، وهي مناطق تمس الأمن القومي التركي مباشرة.
2. ملف غزة وإسرائيل
تركيا تحاول تثبيت دورها السياسي في غزة، فيما واشنطن تسعى إلى منع انفجار إقليمي واسع. اللقاء لم يكن فقط لتخفيف التوتر، بل لإعادة ترتيب شبكة النفوذ في شرق المتوسط.
3. أوكرانيا والناتو
أنقرة، العضو المحوري في حلف الناتو، تمسك بخيوط معقدة بين موسكو وكييف. تركيا لا تريد خسارة روسيا، لكنها لا تستطيع الخروج عن التوازن الغربي. لذلك يتحول دورها إلى “موازن استراتيجي” داخل المعسكر الغربي.
اللقاء إذن ليس بروتوكولياً، بل يعكس محاولة هندسة توزيع الأدوار داخل منطقة متوترة.
ثانياً: أوروبا تتحرك اقتصادياً… تكتل داخل الاتحاد لمواجهة واشنطن وبكين



في خطوة لافتة، أعلنت دول أوروبية بينها ألمانيا و فرنسا وإسبانيا عن توجه لتشكيل تكتل اقتصادي داخلي أكثر تنسيقاً لمواجهة السياسات التجارية الصينية والأميركية.
لماذا الآن؟
الولايات المتحدة تميل إلى سياسات حمائية جديدة.
الصين توسع نفوذها الصناعي والتكنولوجي.
أوروبا تخشى فقدان قدرتها التنافسية في مجالات التكنولوجيا والطاقة والصناعات الخضراء.
البعد الاستراتيجي
هذه الخطوة تعني أن أوروبا لم تعد تريد أن تكون ساحة تنافس فقط، بل لاعباً مستقلاً.
التحرك الأوروبي يعكس بداية تحرر نسبي من الارتهان الكامل للمظلة الأميركية اقتصادياً.
ثالثاً: أوكرانيا تعلن إحباط مخطط اغتيالات… الحرب تنتقل إلى العمق السياسي



أعلنت أوكرانيا إحباط مؤامرة روسية مزعومة لاستهداف مسؤولين كبار عبر شبكة مدفوعة الأجر.
هذا الإعلان يحمل دلالات مهمة:
الحرب لم تعد فقط عسكرية تقليدية.
الاستخبارات أصبحت ساحة المواجهة الأساسية.
الصراع يتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
الرسالة الأوكرانية واضحة: المعركة وجودية، والتهديد مستمر.
رابعاً: واشنطن وطهران… خيار الضربة المحدودة



الولايات المتحدة تدرس خيار “ضربة عسكرية محدودة” ضد إيران، في حال فشل المسار التفاوضي.
ماذا تعني الضربة المحدودة؟
استهداف منشآت محددة
رسالة ردع دون حرب شاملة
اختبار رد الفعل الإيراني
لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن الضربات المحدودة نادراً ما تبقى محدودة.
التأثير على العراق
أي تصعيد بين واشنطن وطهران سينعكس مباشرة على العراق، سياسياً وأمنياً واقتصادياً.
العراق يقف في منطقة تماس جيوسياسي لا تسمح له بالحياد الكامل.
خامساً: صورة ترامب على وزارة العدل… رمزية داخلية



رفع لافتة تحمل صورة دونالد ترامب على مقر وزارة العدل الأميركية أثار جدلاً واسعاً.
هذه الحادثة تحمل بعداً رمزياً يتعلق بطبيعة الصراع الداخلي الأميركي بين المؤسسات التنفيذية والقضائية، وتعكس انقساماً سياسياً عميقاً داخل الولايات المتحدة.
سادساً: اليابان والصين… شرق آسيا على خط التماس



حذرت رئيسة وزراء اليابان من “الترهيب” الصيني، في إشارة إلى تصاعد النشاط العسكري لبكين.
التحذير ليس خطابياً فقط، بل يرتبط بإصلاحات عسكرية واسعة، تعني أن اليابان تخرج تدريجياً من قيود ما بعد الحرب العالمية الثانية.
سابعاً: مواجهة جوية فوق البحر الأصفر



مواجهات جوية بين مقاتلات أميركية وصينية فوق البحر الأصفر تشير إلى مستوى احتكاك خطير.
هذا النوع من الاحتكاك يرفع احتمالات سوء التقدير، وهو أخطر ما في المواجهات بين القوى الكبرى.
الخلاصة الاستراتيجية
العالم اليوم لا يعيش حرباً عالمية تقليدية، لكنه يعيش مرحلة إعادة تموضع كبرى.
الولايات المتحدة تحاول استعادة الردع.
أوروبا تبحث عن استقلال نسبي.
روسيا تقاتل لإثبات نفوذها.
الصين تختبر حدود القوة الأميركية.
الشرق الأوسط يقف في مفترق طرق.
بالنسبة للعراق، فإن هذه التحولات ليست بعيدة.
أي خلل في التوازن الأميركي – الإيراني، أو أي تصعيد إقليمي، سيضع بغداد في قلب المعادلة.
السؤال الأهم ليس ماذا يحدث الآن، بل كيف تستعد الدول المتوسطة – ومنها العراق – لنظام عالمي لم تتضح قواعده بعد؟







