بغداد – حرية | الجمعة 13 شباط 2026 – تقرير
أعلن الجيش الأمريكي إتمام انسحابه من قاعدة التنف الاستراتيجية جنوب شرقي سوريا وتسليمها إلى القوات الحكومية السورية، في خطوة تحمل أبعادًا عسكرية وجيوسياسية عميقة، وتؤشر إلى تحول كبير في طبيعة الدور الأمريكي في الساحة السورية بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب.
الأهمية الاستراتيجية لقاعدة التنف
تقع قاعدة التنف عند المثلث الحدودي بين سوريا والأردن والعراق، وهو موقع بالغ الحساسية عسكريًا لعدة أسباب:
1. التحكم بخطوط الإمداد البرية: تشرف القاعدة على طريق دمشق – بغداد الدولي، الذي يمثل شريانًا حيويًا يربط إيران بالعراق فسوريا وصولًا إلى لبنان.
2. عقدة جغرافية إقليمية: وجودها عند تقاطع ثلاث دول منحها قدرة على مراقبة التحركات العسكرية واللوجستية في عمق البادية السورية.
3. حاجز أمام النفوذ الإيراني: شكلت التنف طوال سنوات نقطة تعطيل أساسية لممرات نقل السلاح إلى حزب الله.
أنشئت القاعدة عام 2014 كمركز لعمليات التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية، لكنها تحولت لاحقًا إلى أداة احتواء استراتيجي لإيران أكثر من كونها منصة لمكافحة الإرهاب فقط.
التحول السياسي والعسكري
يأتي الانسحاب في سياق تغيرات سياسية كبيرة:
إعادة صياغة العلاقات الأمريكية – السورية بعد الإطاحة ببشار الأسد.
انضمام دمشق رسميًا إلى التحالف ضد فلول تنظيم الدولة.
اتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن المؤسسات السورية المركزية.
توجه إدارة ترامب نحو تقليص الوجود العسكري الأمريكي الخارجي.
تُقدَّر القوات الأمريكية في سوريا بنحو ألف جندي قبل الانسحاب، وكان وجودهم موزعًا بين التنف ومواقع في شمال شرق البلاد.
التحليل العسكري: ماذا يعني الانسحاب؟
1. فراغ عملياتي في البادية
المنطقة المحيطة بالتنف ذات طبيعة صحراوية مفتوحة، وهي بيئة مثالية لعمليات الكر والفر التي تعتمدها خلايا تنظيم الدولة.
الوجود الأمريكي كان يوفر:
* غطاءً جويًا سريع الاستجابة
* قدرات استطلاع ومراقبة متقدمة
* شبكة استخبارات إقليمية فعالة
انسحاب هذه القدرات يضع عبئًا كبيرًا على الجيش السوري، الذي لا يمتلك نفس مستوى التكنولوجيا أو التكامل الاستخباراتي.
2. اختبار جاهزية الجيش السوري
التحدي الأساسي يكمن في قدرة القوات السورية على:
* تأمين الحدود الثلاثية
* منع إعادة تشكل ممرات تهريب السلاح
* ضبط البادية ومنع عودة نشاط خلايا التنظيم
التقارير تشير إلى أن الجيش السوري يضم عناصر سابقين في فصائل جهادية، ما يثير تساؤلات حول الانضباط والولاء العقائدي داخل بعض التشكيلات.
3. تداعيات على إيران
من منظور عسكري إقليمي، يعتبر الانسحاب مكسبًا غير مباشر لإيران، إذ يزيل عقبة كانت تعرقل:
* حركة الميليشيات العابرة للحدود
* نقل السلاح إلى لبنان
* توسيع العمق اللوجستي الإيراني في سوريا
لكن في المقابل، إذا نجحت دمشق في فرض سيطرة مركزية صارمة، فقد تسعى إلى إعادة ضبط العلاقة مع طهران بما يخدم توازنًا جديدًا مع واشنطن.
4. مستقبل السجون وعناصر تنظيم الدولة
أحد أكثر الملفات حساسية هو ملف السجون التي تضم آلاف المعتقلين من تنظيم الدولة.
أي خلل أمني في إدارة هذه المراكز قد يؤدي إلى:
* عمليات هروب واسعة
* إعادة تشكيل شبكات إرهابية
* اضطراب أمني إقليمي يمتد إلى العراق
نقل أخطر المعتقلين إلى العراق يقلل المخاطر الفورية، لكنه لا يلغيها.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: نجاح سوري مدعوم أمريكيًا استخباراتيًا
تحتفظ واشنطن بقدرات تدخل عن بعد (طائرات مسيّرة، ضربات دقيقة)، بينما تتولى دمشق الأمن الميداني.
هذا السيناريو يعزز الاستقرار النسبي.
السيناريو الثاني: عودة نشاط تنظيم الدولة
في حال ضعف التنسيق أو عجز الجيش السوري عن ملء الفراغ، قد تعود الخلايا النائمة للنشاط، خصوصًا في البادية.
السيناريو الثالث: تصاعد النفوذ الإيراني
إذا لم تفرض دمشق سيطرة كاملة، قد تستغل طهران الانسحاب لإعادة تفعيل خطوط الإمداد الاستراتيجية.
هل هو انسحاب تكتيكي أم إعادة تموضع؟
من المرجح أن يكون الانسحاب:
* “تقليصًا مدروسًا” وليس تخليًا كاملاً
* جزءًا من استراتيجية أمريكية للتحول من الانتشار الميداني إلى الردع عن بعد
* محاولة لتقليل الكلفة العسكرية والسياسية للوجود المباشر
تصريحات القيادة المركزية الأمريكية تؤكد استمرار الجاهزية ضد أي تهديد من تنظيم الدولة، ما يعني أن واشنطن لم تغادر المعادلة بالكامل.
انسحاب الولايات المتحدة من التنف يمثل:
* تحولًا استراتيجيًا في قواعد الاشتباك داخل سوريا
* اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة السورية على بسط سيادتها الأمنية
* إعادة رسم غير معلنة لتوازنات النفوذ بين واشنطن وطهران
المعادلة الآن تعتمد على عاملين حاسمين:
1. مدى كفاءة الجيش السوري في إدارة المنطقة الصحراوية المفتوحة.
2. مستوى التنسيق الاستخباراتي الأمريكي – السوري في المرحلة الجديدة.
الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون كفيلة بتحديد ما إذا كان هذا القرار بداية استقرار طويل الأمد… أم شرارة لمرحلة أمنية أكثر تعقيدًا في شرق سوريا.








