بغداد – حرية | الاربعاء 18 شباط 2026 تقرير تحليلي خاص – إعداد القسم السياسي – أشراف أحمد الحمداني
إعلان “العراق الموحّد”… من الجواهري ونوري السعيد إلى طالباني ومحمد شياع السوداني والحلبوسي
كيف تحوّل توظيف الرموز الوطنية إلى اختبار أخلاقي وسياسي في عصر الذكاء الاصطناعي
لم يعد الجدل الدائر حول إعلان شركة “بانا ماركتينك” مسألة إعلانية عابرة، بل تحوّل إلى نقاش وطني واسع حول كيفية التعامل مع رموز العراق الثقافية والسياسية في عصر الذكاء الاصطناعي الإعلان، الذي استند إلى فكرة “نقل الإرث عبر الزمن”، تضمّن مشاهد مُنتجة رقمياً يظهر فيها شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري في سياق تقديم الشاي، إضافة إلى مشهد آخر يُظهر رجل الدولة الراحل نوري السعيد وهو يقدّم الشاي لرئيس حزب تقدم محمد الحلبوسي مع انحناءة واضحة أثناء التقديم.
هذه التفاصيل البصرية تحديداً كانت كفيلة بإطلاق موجة اعتراضات، دفعت الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق إلى إصدار بيان رسمي أدان فيه ما وصفه بالإساءة لرمز ثقافي ووطني.
وفي متابعة مباشرة، كشفت المديرة التنفيذية وكاتبة ومخرجة العمل بان الجميلي أن:
“جميع الشخصيات السياسية المشاركة في العمل وافقت على تفاصيل الإعلان، وكذلك على التصوير داخل مكاتبهم، وكانت لقطتا رئيس الوزراء محمد شياع السوداني ورئيس حزب تقدّم محمد الحلبوسي مشاهد حقيقية، فيما جُسِّدت شخصيتا الجواهري ونوري السعيد باستخدام الذكاء الاصطناعي فقط”.
وأوضحت بان أن العمل استغرق شهرين كاملين، وعُرض على عدة أطراف دولية ناقدة قبل تقديمه في العراق، مؤكدة أنه لم يتم اتخاذ أي خطوة دون موافقات رسمية، وأن اختيار الجواهري جاء بعد طرح أربع شخصيات تاريخية، بما فيها عسكري استشهد خلال الحرب على داعش.
وأضافت: “الهجمة على الإعلان مؤدلجة واتخذت منحى سياسياً، إذ تجاهل المنتقدون المعاني والرسائل الإيجابية التي تضمّنها العمل، وأصرّوا على طمس هوية التراث العراقي”.
وبهذا تؤكد بان الجميلي أن بعض الشخصيات تم اختيارها من قبل الساسة أنفسهم، وهو ما يضيف بعداً مؤسساتياً على العمل، ويبين أن المشروع لم يكن عشوائياً كما يُصوَّر في بعض ردود الفعل النقدية.

أولاً: بيان الاتحاد… حين تتحول اللقطة إلى مساس بالذاكرة
لم يتأخر الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق في إصدار بيان رسمي أدان فيه ما اعتبره إساءة لرمز ثقافي ووطني بحجم الجواهري وأشار البيان إلى أن الاتحاد نفسه تأسس في بيت الجواهري عام 1959، في تذكير بأن الرجل لم يكن مجرد شاعر، بل أحد أعمدة الوعي الوطني الحديث.
الرسالة التي حملها البيان يمكن تلخيصها بجملة واحدة الرموز الوطنية ليست مادة تجريب بصري حتى مع وضوح أن الإعلان حصل على موافقات رسمية، يبرز هنا التوتر بين الموقف المؤسسي السياسي والموقف الثقافي، وهو جوهر الجدل حول الإعلان.
ثانياً: الجواهري… قيمة تتجاوز الصورة
الجواهري لم يكن شاعر مناسبات كان صوتاً معارضاً حيناً، ووجداناً وطنياً حيناً آخر، ومرآة لتحولات العراق السياسية عبر عقود مضطربة إعادة تشكيله رقمياً في وضعية تقديم الشاي قد تبدو بسيطة للبعض، لكنها في علم الاتصال الرمزي ليست حيادية.
في ثقافة الشرق، فعل “التقديم” محمّل بدلالات وحين يكون المقدّم رمزاً ثقافياً تأسيسياً، يصبح السؤال مشروعاً:
هل نحن أمام تكريم؟ أم أمام إعادة صياغة للرمز بما يخدم فكرة تسويقية؟
الفارق بين التكريم والتوظيف يكمن في السياق، حتى لو جرى كل شيء بموافقة رسمية، كما تؤكد بان الجميلي.

ثالثاً: نوري السعيد… من بناء الدولة إلى إعادة ترتيب الرمزية
إذا كان مشهد الجواهري أثار اعتراضاً ثقافياً، فإن مشهد نوري السعيد فتح باباً سياسياً أعقد.
نوري السعيد يُعد أحد أبرز مهندسي الدولة العراقية الحديثة في العهد الملكي ظهوره في مشهد تقديم الشاي بانحناءة أمام محمد الحلبوسي لم يُقرأ بوصفه “مشهداً عابراً”، بل كإشارة رمزية سياسية دقيقة.
حتى لو كان هذا التمثيل بالذكاء الاصطناعي، فإن البيئة السياسية المشحونة تجعل التأويل جزءاً من الرسالة نفسها، خصوصاً في ظل مرحلة يقودها محمد شياع السوداني، حيث تتقاطع ملفات الشرعية والتمثيل وإعادة تعريف موازين القوة داخل الدولة.

رابعاً: صورة “صمام الأمان”… جلال طالباني والمظلة
الصورة المتداولة للراحل جلال طالباني وهو يمسك مظلة مطر في أربيل، ويدور حول نفسه في معالجة بصرية، وُصفت بأنها تجسيد لدور “صمام الأمان”.
طالباني شخصية توافقية لعبت دوراً محورياً في إدارة التوازنات بعد 2003. تحويله إلى صورة رقمية يطرح سؤالاً جوهرياً:
هل يُختزل التاريخ في لقطة؟ وهل يُختزل دور الدولة في صورة شخصية؟
المظلة قد تُقرأ كحماية، لكنها قد تُفهم أيضاً كإيحاء بهشاشة كيان يحتاج إلى حماية فردية، لا إلى مؤسسات متينة.

خامساً: الزقورة… حين يُستدعى التاريخ بلا عمق
تضمّن الإعلان رمزية “الزقورة” كخلفية حضارية منتقدون رأوا أن استخدامها جاء سطحياً، أقرب إلى عنصر جمالي منه إلى استحضار واعٍ لدلالتها الحضارية، الزقورة ليست ديكوراً إنها رمز حضارة ممتدة آلاف السنين. استخدام الرمز دون اشتباك معرفي عميق يحوّله إلى قشرة بصرية، لا معنى.
سادساً: الذكاء الاصطناعي… بين الإمكان الأخلاقي والفوضى الرمزية
التقنيات الحديثة تتيح إعادة إنتاج شخصيات تاريخية بواقعية عالية لكن القدرة التقنية لا تعني الجواز الأخلاقي.
بان الجميلي أوضحت أن الجواهري ونوري السعيد تم تصويرهما بالذكاء الاصطناعي، وهذا يفتح أسئلة:
من يملك حق استحضار الراحلين؟
هل يمكن فصل الرمزية التاريخية عن المعنى الثقافي والسياسي؟
غياب إطار تشريعي واضح يجعل المسألة خاضعة للاجتهاد، ما يفتح الباب لأزمات مشابهة مستقبلاً.

سابعاً: إدارة المشروع… بين الموافقات الرسمية والجدل السياسي
تصريحات بان الجميلي تؤكد أن الإعلان كان مشروعاً مؤسساتياً:
“جميع الشخصيات السياسية المشاركة وافقت على تفاصيل الإعلان وتمت الموافقات الرسمية قبل أي خطوة”.
لكن رغم هذا، أثار الإعلان جدلاً واسعاً، وهو يعكس فجوة بين الاعتبارات التقنية والسياسية من جهة، والحساسية الثقافية والتاريخية من جهة أخرى.
ماذا تعني صورة مستشار رئيس الوزراء للعلاقات الخارجية فرهاد علاء الدين
وجود مستشار العلاقات الخارجية لمحمد شياع السوداني في مقدمة هذه الصورة التي تظهر اجتماعاً حول مائدة الطعام مع ممثلين لدول كبرى مثل أمريكا، بريطانيا، فرنسا، تركيا، وأوروبا، يحمل رسالة مضللة ومبالغاً فيها بشكل واضح إذا أُدرج ضمن إعلان وطني يعكس “العراق الموحد”.
فكرة أن يكون مستشار الشؤون الخارجية في مشهد كهذا توحي بتقزيم السيادة العراقية وتظهر أن السياسة الخارجية العراقية تُدار أو “تقاد” من قوى أجنبية، وليس من دولة مستقلة وذات كيان قوي هذا تصور خاطئ وجائر لأنه يقلل من مكانة العراق ويرسخ صورة دولة تابعة أو متأثرة بشكل مفرط بالغرب وأطراف أخرى.
وايضاً من الخطأ الكبير أن توظف هذه الصورة في إعلان وطني يحمل رسالة وحدة واستقلالية، إذ أن وجود أعلام الدول الكبرى محاطة بالمسؤولين الأجانب يوحي بأن القرار والسيادة الحقيقية ليست للعراق أو لقيادته الوطنية، بل بيد هذه القوى، وهو تعبير ضمني عن ضعف في إدارة الدولة.
كما لا يمكن تجاهل أن هذه التركيبة قد تُفسَّر في العقل الشعبي على أنها دلالة ضمنية على وجود مصالح شخصية أو “ارتشاء” سياسي، حيث يُفهم أن القرار ليس نابعاً من المصلحة الوطنية بقدر ما هو مرتبط بتوازنات ونفوذ خارجي.
باختصار، تضمين صورة كهذه في إعلان يعبر عن “العراق الموحد” هو خطأ فادح في التواصل الرمزي، إذ يُنقل رسالة ضعف الدولة وغياب الاستقلالية، بل يفتح الباب لتأويلات سلبية حول علاقة القيادة السياسية بالقوى الكبرى، ويقوّض فكرة السيادة الوطنية التي يجب أن تكون حجر الأساس لأي مشروع وطني حقيقي.

خلاصة التقرير
إعلان “العراق الموحّد” ليس مجرد تجربة بصرية، بل تجاوز خطير للأخلاقيات الثقافية والسياسية استخدام الشخصيات التاريخية والثقافية بطريقة تجارية، سواء بالذكاء الاصطناعي أو باللقطات الحقيقية، يُعتبر إهانة للذاكرة الوطنية العراقية. الرسالة الأساسية واضحة: الاستعانة بالرموز الوطنية في سياق تجاري، حتى بموافقة رسمية، لا يمكن أن تُقرأ إلا كتشويه للإرث الثقافي والسياسي، وليس تكريماً له.
في عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد الخطأ تقنياً فقط، بل رمزياً وسياسياً حين يُستدعى الماضي إلى الحاضر، يجب أن يُستدعى بوعي، سواء كان الجواهري، نوري السعيد، جلال طالباني.
الإعلان كشف ضعفاً في التقدير الجماعي للحساسية التاريخية، لكنه أيضاً أظهر أن العملية كانت رسمية، مدروسة، وحصلت على موافقات، ما يجعلها درساً عملياً في إدارة الرموز الوطنية في الإعلام الرقمي.
الدولة لا تُهان حين يُنتقد، لكنها تُختبر حين يُساء تقدير رموزها، وهذا الإعلان أصبح اختباراً حقيقياً لإدراك كيفية التعامل مع التراث.







