حرية ـ (2/6/2025)
احمد الحمداني
بعد أن أنفقت الدولة مبالغ ضخمة لتحسين مظهر العاصمة استعدادًا للقمة العربية، وجرى صرف أموال طائلة على الصيانة والتأهيل والتجميل، بدأت معالم هذا الجهد تتلاشى سريعًا.
الحدائق التي زُرعت وازدهرت أيام القمة، تموت اليوم عطشًا بسبب انقطاع السقي والورود التي استقبلت الضيوف بالألوان، ذبلت بصمت وسط إهمال واضح.
الشوارع التي كانت نظيفة ومُهندَسة تحوّلت إلى مشهد مألوف من الإهمال بعد ان كانت تغسل يومياً وكأن الجهود التي بُذلت لم تكن إلا مؤقتة، مجرّد طلاء سطحي للكاميرا وعدسات الإعلام.
والأدهى من ذلك، أن اللافتات المطبوعة، التي كلّفت خزينة الدولة أموالًا ليست قليلة، رُفعت بعضها بطريقة عشوائية، لا تراعي الذوق العام، ولا تحترم المال العام.
وفق تقديرات غير رسمية، بلغت تكاليف هذه الحملات التجميلية مليارات الدنانير، من دون أن يصاحبها أي خطة تشغيلية واضحة لما بعد الحدث.
هل يُعقل أن تُهدر كل هذه المبالغ دون وجود خطة متابعة وصيانة واستدامة؟
أليس هذا التصرّف نوعًا من الهدر المالي والإداري الذي يجب أن يُسأل عنه المسؤولون؟
لكن جوهر المشكلة أعمق من مجرد إهمال حدائق أو رفع لافتات نحن نواجه خللًا جوهريًا في مفهوم الإدارة الحكومية، يتمثل في غياب المتابعة والتقييم والاستدامة.
ما معنى التقصير في العمل الحكومي؟
التقصير لا يعني فقط الغياب أو التباطؤ، بل يشير إلى فشل المؤسسات في أداء واجباتها الأساسية.
عندما تُنجز المشاريع بشكل شكلي لا وظيفي، وحين تُصرف الأموال دون خطط متابعة، فذلك تقصير إداري يؤدي إلى هدر الطاقات والموارد والثقة العامة.
لأن غياب المساءلة والمحاسبة جعل التنفيذ هو الغاية، لا الجودة ولأن الكثير من المسؤولين يُنصّبون على رأس المؤسسات بلا كفاءة حقيقية، ولا إحساس بالواجب المهني. ولأن الإدارة في بعض المواقع أصبحت مشغولة بالمظاهر والتقاط الصور أكثر من الانشغال بخدمة الناس.
تخيلوا طفلًا يقف قرب شتلة ورد ذابلة، يسأل أباه: “ليش ماتت؟”
فيجيبه: “لأن المسؤول نسي يسقيها.”
هذا ليس مشهدًا دراميًا… بل واقع نعيشه.
ويبقى المواطن اليوم، كما كان بالأمس، المتضرر الأول من التقصير، والصامت الأكبر عنه. وبدل أن يكتفي بالمشاهدة، عليه أن يطالب بحقّه في بيئة نظيفة وخدمة مستمرة، لا مسرحية مؤقتة تُمثّل أمام الزوار.
نحن بحاجة إلى لجان رقابة ما بعد التنفيذ، وتفعيل دور ديوان الرقابة المالية، ومشاركة منظمات المجتمع المدني في الإشراف على ديمومة المشاريع الخدمية، وأن تُربط الميزانيات بجداول متابعة صارمة، لا بصور تُلتقط ثم تُنسى.
الهدر لا يكون فقط بسرقة المال العام، بل أيضًا بتركه يذبل، كما ذبلت حدائق العاصمة بعد أن أُطفئت الكاميرات وغادر الضيوف.







