وكالة حرية | الثلاثاء 1 تموز 2025
بقلم: أحمد الحمداني
بينما يتسابق البعض اليوم لوضع بغداد في سيرتهم الذاتية كرمز فخر ومجد، نجد في شوارعها وأحيائها قصة مختلفة تمامًا تروى بصمت ومرارة: حدائق منزلية اختنقت تحت ثقل الأسمنت، مبانٍ جرى تقسيمها بعشوائية أفرغتها من روحها، وواجهات شوهت الصورة البصرية لمدينة كانت يومًا تعرف بعبق ياسمينها وظلال نخيلها.
السؤال الذي لا يجرؤ أحد على الإجابة عليه بوضوح: من المسؤول حقًا عن قتل هذه الحدائق؟ هل هم المواطنون الذين فقدوا ذوقهم الحضري وصاروا يفضلون تحويل المساحات الخضراء إلى محال تجارية ومواقف للسيارات؟ أم هي الحكومة المحلية وأمانة بغداد التي غابت عن التخطيط السليم وسمحت للعشوائيات العمرانية بالتمدد حتى في قلب العاصمة؟
لكن الكارثة لا تتوقف هنا فغياب الخطط التوسعية لبناء مدن عصرية مهيأة لاستيعاب الزيادة السكانية جعل بغداد تكتظ بأعداد تفوق قدرتها على الاستيعاب، خاصة مع موجات النزوح الكبيرة نحوها، حيث تشير إحصائيات غير رسمية إلى أن أكثر من مليون شخص نزحوا إلى العاصمة منذ 2014، ما قلب ثقافة المجتمع من الطابع المدني الذي تميّزت به بغداد لقرون إلى طابع ريفي أدخل عادات وتقاليد غريبة عن الهوية البغدادية الأصيلة.
يضاف إلى ذلك الفساد المالي المستشري في مفاصل الإدارة المحلية، إذ كشفت تقارير رقابية عن تسجيل آلاف المخالفات العمرانية سنويًا دون محاسبة حقيقية، ما سمح بتحويل الحدائق إلى عقارات تدر أرباحًا سريعة على حساب جمال المدينة وراحة أهلها.
ومع ضعف السلطة أمام نفوذ العشائر، باتت سلطة القانون شبه غائبة، وصار صوت العشيرة أقوى من صوت الدولة في كثير من المناطق.
واثناء استماعي لتصريح الخبير في شؤون المدن الدكتور حيدر سلمان عبر مواقع التواص الاجتماعي.
“ما يجري في بغداد من تدمير للحدائق والأحياء القديمة هو جريمة ممنهجة بحق المدينة، سببها الفساد وغياب التخطيط الحضري منذ عقود، ولا يمكن إنقاذ العاصمة من هذا التدهور إلا بخطط توسعية جادة تبني مدنًا جديدة تستوعب الزحف السكاني وتحافظ على هوية بغداد الأصلية.”
الأدهى أن الجميع يريد أن يتزيّن بلقب واحد بغداد في وقت الانتخابات الجميع يريد لقب “البغدادي” الأصيل، لكننا و للأسف لم نرَ بغداديًا واحدًا يقف بصدق في وجه هذه الجريمة بحق البيئة والعمران.
حب بغداد صار شعارًا يتسابق عليه البعض في مواقع التواصل فقط، بينما في الواقع تُهدم ذاكرتها العمرانية يومًا بعد آخر.
لذا، إذا كانت بغداد ستعود يومًا جميلة كما كانت، فلا بد من:
سن قوانين صارمة تحمي الحدائق والمساحات الخضراء من العبث.
إطلاق حملات توعية مجتمعية لإعادة إحياء ثقافة البغدادي الأصيل.
وضع خطة وطنية لتوسيع المدن المحيطة ببغداد وبناء مناطق سكنية جديدة تستوعب الزيادة السكانية بدلًا من خنق العاصمة.
تفعيل سلطة القانون وكبح نفوذ العشائر في الشأن العمراني.
فهل سنجد بيننا من يتحرك قبل أن تتحول بغداد إلى غابة من الخراب لا ترى فيها سوى الجدران الرمادية؟







