حرية | الخميس 26 شباط 2026
بقلم: أحمد الحمداني
في المشهد السياسي العراقي، تختلط المواقف الشخصية أحيانًا بالمواقف العامة، وتتداخل الخصومات مع الأحكام المسبقة، حتى يصبح من الصعب على البعض أن يفصل بين الرأي السياسي والواجب الأخلاقي. ومن هذا المنطلق أكتب هذه الكلمات.
لم تكن لي علاقة سياسية مع يزن مشعان الجبوري، ولم تجمعني به لقاءات مباشرة إلا مرة أو مرتين في مناسبات عامة، وكان بيننا السلام والتحية فقط، لا أكثر لم أكن يومًا ضمن فريقه، ولا جزءًا من دائرته، ولا من المدافعين عنه في أي سياق سياسي.
لكنني أذكر موقفًا إنسانيًا لا يمكن إنكاره حين طلبت منه دعمًا لفقراء وأيتام، استجاب وساهم وكان في شهر رمضان الذي مضى هذا فعل لا يُلغى، وحتى لو كانت بيني وبين والده خصومة سياسية معروفة. الخصومة السياسية لا تعني العمى الأخلاقي، ولا تبرر الصمت حين تُنتهك القيم.
اليوم أرى حالة شماتة واسعة بسبب سجنه، وكأن الرجل قد صدر بحقه حكم نهائي باتّ لا يقبل الطعن في دولة تحترم نفسها، يبقى الأصل هو قرينة البراءة فالرجل بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي قطعي هذا ليس دفاعًا عن شخص، بل دفاع عن مبدأ وإذا أسقطنا هذا المبدأ اليوم، فسنفقده غدًا حين نحتاجه لأنفسنا.
المقلق أكثر ليس الاتهام، بل لغة الخطاب، صفحات التواصل الاجتماعي تتحول سريعًا إلى ساحات تشهير وقذف، وتُستخدم ألفاظ تمس الأعراض والعوائل، وكأن الصراع السياسي يبرر انتهاك أبسط معايير الأخلاق من المعيب أن يُستهدف الأبناء بسبب الآباء، أو تُستدعى العائلة لتصفية حسابات عامة السياسة موقف، أما الأعراض فخط أحمر.
العراق ليس فقيرًا بالفاسدين حتى يُختزل في شخص واحد يُقدَّم كـ“الحوت الكبير” الوحيد إن كانت هناك ملفات فساد، فلتُفتح جميعها بلا استثناء، وبلا انتقائية، وبلا توظيف سياسي العدالة لا تكون عدالة إذا كانت انتقائية، ولا تكون إصلاحًا إذا كانت موسمية.
أنا على خصام مع والده السيد مشعان الجبوري، نعم. لكن ذلك لا يمنحني حق التشفي، ولا يبرر لي السكوت عن التجاوز على القيم الخصومة السياسية شيء، والإنصاف الأخلاقي شيء آخر ومن أراد أن يبني دولة، فعليه أن يبدأ ببناء خطاب مسؤول.
متى نرتقي؟
متى نفصل بين النقد المشروع والتشهير الرخيص؟
متى نؤمن أن قوة الموقف لا تحتاج إلى إسفاف في اللغة؟
القضاء هو الفيصل، والقانون هو الحكم، وما عداه ضجيج أما نحن، فإما أن نكون مجتمع دولة… أو نبقى أسرى منصات الغضب.







