حرية | الاربعاء 25 شباط 2026
رغد زيد
لطالما ارتبط اسم الهند بمواقف داعمة للقضية الفلسطينية، انطلاقاً من إرث سياسي يقوم على مناهضة الاستعمار ودعم حركات التحرر الوطني. غير أن التحولات التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة، إلى جانب التغيرات الداخلية في الهند، دفعت نيودلهي إلى إعادة صياغة سياستها الخارجية، لتنتقل تدريجياً من موقع الدعم التقليدي للفلسطينيين إلى بناء شراكة استراتيجية متنامية مع إسرائيل.
هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن التغيرات الكبرى في النظام الدولي، حيث باتت المصالح الاقتصادية والأمنية تتقدم على الاعتبارات الأيديولوجية، في عالم يتسم بالتنافس والتشابك المتزايد.
في العقود التي أعقبت استقلالها، تبنت الهند موقفاً واضحاً في دعم الحقوق الفلسطينية، وكانت من الدول التي ساندت منظمة التحرير الفلسطينية سياسياً ودبلوماسياً، كما دعمت قيام دولة فلسطينية مستقلة، ووقفت إلى جانب القرارات الأممية التي تؤكد حقوق الشعب الفلسطيني داخل أروقة الأمم المتحدة. وقد شكل هذا الموقف جزءاً من هوية السياسة الخارجية الهندية، المرتبطة بحركة عدم الانحياز وتاريخها المناهض للاستعمار.
غير أن نهاية الحرب الباردة مطلع التسعينيات شكلت نقطة تحول مفصلية، إذ وجدت الهند نفسها أمام واقع دولي جديد يتطلب إعادة ترتيب أولوياتها. وفي عام 1992، أقامت علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، في خطوة عكست بداية مرحلة جديدة من الانفتاح على شركاء جدد، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا والدفاع.
لكن التحول الأبرز جاء مع وصول رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى السلطة، حيث شهدت العلاقات بين البلدين تسارعاً غير مسبوق. فقد أصبحت إسرائيل أحد أبرز شركاء الهند في مجالات التسليح والتكنولوجيا، وبرز التعاون في مجالات الأمن السيبراني والزراعة وإدارة المياه، وهي قطاعات تمثل أهمية استراتيجية لنيودلهي. كما شكلت زيارة مودي إلى إسرائيل عام 2017 محطة مفصلية، تبعتها زيارات متبادلة عززت هذا التقارب، من بينها زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الهند.
وراء هذا التحول تقف مجموعة من العوامل، أبرزها الحاجة إلى تعزيز القدرات العسكرية في ظل التوترات الإقليمية، إضافة إلى الرغبة في الاستفادة من الخبرات التكنولوجية الإسرائيلية. كما لعبت الاعتبارات السياسية الداخلية دوراً مهماً، مع صعود التيار القومي الذي يدفع باتجاه تبني سياسة خارجية أكثر واقعية وأقل ارتباطاً بالإرث الأيديولوجي.
ومع ذلك، تحرص الهند على عدم القطيعة مع الفلسطينيين، إذ تواصل التأكيد على دعمها لحل الدولتين، وتستمر في تقديم المساعدات للفلسطينيين، إلى جانب الحفاظ على علاقات دبلوماسية معهم. هذا التوازن يعكس محاولة هندية للحفاظ على علاقات جيدة مع الدول العربية، التي تمثل شريكاً اقتصادياً مهماً، خاصة في مجال الطاقة.
في هذا السياق، يمكن وصف السياسة الهندية الحالية بأنها “توازن حذر”، تسعى من خلاله إلى الجمع بين شراكة استراتيجية مع إسرائيل، والحفاظ على موقف سياسي داعم للفلسطينيين. إلا أن هذا التوازن يواجه تحديات متزايدة، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد الضغوط الدولية.
التحول في الموقف الهندي يعكس، في جوهره، انتقالاً من مرحلة الالتزام الأيديولوجي إلى البراغماتية السياسية، حيث باتت المصالح الاقتصادية والأمنية هي المحرك الأساسي للقرار. وبينما تحافظ الهند على خطابها التقليدي تجاه القضية الفلسطينية، فإن عمق علاقاتها مع إسرائيل يشير إلى واقع جديد في السياسة الدولية، تتراجع فيه الشعارات لصالح الحسابات الاستراتيجية.
ويبقى السؤال مفتوحاً: إلى أي مدى تستطيع الهند الاستمرار في هذا التوازن الدقيق، أم أن التحولات المتسارعة في المنطقة والعالم ستدفعها إلى إعادة تحديد موقعها بشكل أكثر وضوحاً في المستقبل؟







