وكالة حرية | الاربعاء 11 شباط 2026 – خاص حرية
للمرة الثانية خلال أسبوع واحد، خلا جدول أعمال جلسات مجلس النواب العراقي من فقرة انتخاب رئيس الجمهورية، في مؤشر واضح على استمرار حالة الجمود السياسي التي تعيق استكمال الاستحقاقات الدستورية، رغم الضغوط الزمنية والسياسية المتزايدة.
برلمان منشغل بالرقابة… والرئاسة خارج الجدول
أعلنت الدائرة الإعلامية لمجلس النواب جدول أعمال الجلسة رقم (8) للفصل التشريعي الأول من السنة التشريعية الأولى للدورة الانتخابية السادسة، متضمناً النظر في طعون العضوية، ومناقشة ملف السجناء المنقولين إلى العراق بحضور قيادات أمنية رفيعة، إضافة إلى مناقشات عامة.
ورغم أهمية هذه الملفات، فإن غياب بند انتخاب رئيس الجمهورية للمرة الثانية خلال أسبوع يعكس تعثّر التوافقات السياسية، لا سيما بين القوى الكردية المعنية تقليدياً بحسم مرشح المنصب.
لا جزاء دستورياً ولا حلّ للبرلمان
في هذا السياق، أوضح المحامي محمد مجيد الساعدي أن الدستور العراقي لا يتضمن نصاً يفرض جزاءً دستورياً في حال تأخر أو عدم انتخاب رئيس الجمهورية ضمن التوقيتات السياسية المتوقعة، مشيراً إلى أن عدم انتخاب الرئيس لا يترتب عليه حلّ تلقائي لمجلس النواب أو سقوط العملية السياسية.
وبيّن الساعدي أن النصوص الدستورية تحدد آليات الانتخاب ونصاباته، لكنها لا تنص على عقوبة دستورية مباشرة في حال الإخفاق السياسي في التوافق، ما يعني أن الأزمة تبقى ذات طابع سياسي أكثر من كونها دستورية.
هذا الطرح يعزز فكرة أن البلاد لا تواجه فراغاً دستورياً كاملاً، بل حالة تعطّل سياسي يمكن أن تطول دون أن تفضي إلى انهيار مؤسساتي، وهو ما يفسر استمرار البرلمان في عقد جلساته وممارسة دوره الرقابي والتشريعي رغم غياب انتخاب الرئيس.
جتماع أربيل… محاولة أخيرة قبل الحسم
في موازاة الجمود البرلماني، يترقب المشهد السياسي اجتماعاً مهماً في مصيف بيرمام بين رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني، ورئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، بحضور قوباد طالباني.
الاجتماع يُعد استكمالاً للقاء سابق، ويهدف إلى حسم اسم مرشح كردي موحّد، في ظل تنافس 19 مرشحاً أبرزهم فؤاد حسين (الديمقراطي الكردستاني) ونزار آميدي (الاتحاد الوطني).
مصادر سياسية تشير إلى أن الاتفاق، إن تحققاليوم الاربعاء 11شباط2026 ، قد يفتح الباب أمام انتخاب الرئيس سريعاً، بينما يعني الفشل انتقال الملف إلى البرلمان دون مظلة توافق كردي.
جذور الخلاف… عرف سياسي أم استحقاق وطني؟
منذ 2005، جرى عرف سياسي غير مكتوب يقضي بإسناد منصب رئيس الجمهورية للاتحاد الوطني الكردستاني، مقابل احتفاظ الحزب الديمقراطي برئاسة إقليم كردستان. غير أن الحزب الديمقراطي يرى أن المنصب استحقاق كردي عام وليس حكراً على حزب بعينه، وأن المرحلة تتطلب إعادة تفعيل صلاحيات الرئاسة لمواجهة التحديات الدستورية.
في المقابل، يتمسك الاتحاد الوطني بالعُرف السياسي باعتباره جزءاً من توازنات ما بعد 2003، ويخشى أن يؤدي كسره إلى إعادة خلط أوراق النفوذ داخل الإقليم.
هل تهتز معادلة الإقليم؟
أي تغيير في معادلة رئاسة الجمهورية قد ينعكس على التفاهمات الداخلية في إقليم كردستان، سواء في شكل الحكومة أو توزيع المناصب مستقبلاً، ما يجعل الخلاف يتجاوز بغداد إلى عمق البيت الكردي نفسه.
ضغط القوى الشيعية… الحسم داخل البرلمان؟
تتجه بعض القوى السياسية إلى عدم انتظار التوافق الكردي طويلاً، مع احتمالية عقد جلسة مكتملة النصاب والتصويت لأحد المرشحين، ما قد ينقل مركز القرار من أربيل إلى بغداد.
هذا السيناريو قد يفتح الباب أمام تصويت عابر للانقسامات التقليدية، خاصة في حال توجه بعض النواب إلى ما يُعرف بـ”الفضاء الوطني”، بعيداً عن الالتزام الحزبي الصارم.
البعد الداخلي والخارجي
داخلياً، تعكس الأزمة استمرار هشاشة نظام التوافقات السياسية الذي تأسس بعد 2003، حيث تحولت الأعراف إلى قواعد غير مكتوبة لإدارة السلطة.
ومع تآكل الثقة بين القوى السياسية، باتت هذه الأعراف عرضة للاهتزاز.
خارجياً، يراقب المجتمع الدولي مسار انتخاب الرئيس باعتباره مؤشراً على استقرار النظام السياسي العراقي، خصوصاً في ظل تحديات أمنية واقتصادية حساسة.
أي انقسام حاد قد يضعف الموقف التفاوضي للعراق في ملفات الطاقة والاتفاقات الإقليمية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
1. توافق كردي وانتخاب سريع للرئيس- يحافظ على التوازنات.
2. تصويت برلماني دون توافق كامل- قد يعمّق الخلاف داخل الإقليم.
3. تسوية وسطية بمرشح توافقي جديد – تحفظ ماء وجه الأطراف.
المشهد العراقي لا يواجه أزمة دستورية صريحة بقدر ما يواجه أزمة إرادة سياسية فبحسب القراءة القانونية، لا يوجد جزاء دستوري مباشر على عدم انتخاب رئيس الجمهورية، ولا يؤدي التأخير إلى حل البرلمان، ما يمنح القوى السياسية هامشاً زمنياً للمناورة.
غير أن استمرار التأجيل يكرّس صورة الانسداد السياسي، ويضع النظام القائم على المحاصصة والأعراف أمام اختبار جديد إما إعادة إنتاج التوافقات التقليدية، أو الانتقال إلى معادلة أغلبية سياسية قد تعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة في العراق.







