وكالة حرية | الخميس 12 شباط 2026
في توقيت إقليمي شديد الحساسية، عيّنت الحكومة الإسرائيلية الضابط من أصل درزي غسان عليان مسؤولاً للتنسيق السياسي مع دروز لبنان وسوريا وفلسطين، في خطوة تتجاوز بعدها الرمزي الداخلي إلى أبعاد أمنية ترتبط مباشرة بساحة الجنوب السوري، حيث يتقاطع النفوذ الإيراني مع الحسابات الإسرائيلية.
القرار يأتي فيما تشهد محافظة السويداء توترات متكررة، وسط تصاعد الضربات الإسرائيلية على أهداف مرتبطة بإيران في العمق السوري، ما يضع التعيين ضمن سياق أوسع من إعادة التموضع الإسرائيلي على حدود الجولان وامتداداته الاجتماعية والسياسية.
أولاً: الجنوب السوري كساحة اشتباك غير مباشر
منذ سنوات، يشكّل الجنوب السوري مسرحاً لصراع منخفض الوتيرة بين إسرائيل وإيران.
تل أبيب تسعى إلى منع تموضع عسكري إيراني دائم قرب الجولان، فيما تعمل طهران عبر شبكات محلية وعبر “الحرس الثوري” وحلفائه على تثبيت حضورها في العمق السوري.
في هذا السياق، تمثل السويداء أهمية خاصة لعدة أسباب:
موقعها الجغرافي المحاذي للجولان.
تركيبتها السكانية الدرزية المتماسكة.
خصوصيتها السياسية التي تجعلها أقل انخراطاً في الاصطفافات التقليدية للنظام أو المعارضة.
تعيين عليان يمكن قراءته كجزء من استراتيجية إسرائيلية تقوم على تعزيز قنوات التواصل مع مكونات محلية في الجنوب السوري، ليس بالضرورة بهدف خلق تحالف مباشر، بل لمنع سقوط البيئة الدرزية في دائرة النفوذ الإيراني أو الفوضى الأمنية.
ثانياً: البعد الاستخباري – إدارة التوازنات لا صناعة اصطفاف
لا تشير المعطيات إلى وجود تنسيق سياسي مباشر بين قيادات درزية في لبنان أو سوريا مع المسؤول الإسرائيلي الجديد، بل إن الكلفة السياسية لمثل هذا التنسيق تبقى مرتفعة جداً.
غير أن المقاربة الأمنية الإسرائيلية غالباً ما تقوم على:
جمع المعلومات عبر قنوات اجتماعية ودينية.
استثمار الروابط العائلية العابرة للحدود.
بناء جسور غير رسمية تسمح بفهم التحولات داخل البيئات المحلية.
من هنا، فإن تعيين ضابط درزي في هذا الموقع قد يهدف إلى تسهيل التواصل المجتمعي أكثر منه فرض أجندة سياسية، خصوصاً في ظل الترابط العائلي بين دروز سوريا ولبنان وفلسطين.
ثالثاً: إيران ومعادلة “الفراغ”
تدرك طهران أن أي فراغ أمني أو سياسي في الجنوب السوري قد يشكل فرصة لتعزيز حضورها، سواء عبر دعم مجموعات محلية أو عبر توسيع شبكة النفوذ غير المباشر.
في المقابل، تسعى إسرائيل إلى منع هذا السيناريو عبر:
الضربات الجوية الوقائية.
الضغط السياسي الدولي.
التواصل مع مكونات محلية قد تشكل حاجزاً اجتماعياً أمام التمدد الإيراني.
الملف الدرزي يدخل هنا كعنصر توازن، لا كطرف في محور. فالغالبية الساحقة من القيادات الدرزية في لبنان وسوريا تحرص على النأي بالنفس عن الصراع الإسرائيلي–الإيراني، لكن موقعها الجغرافي يجعلها عرضة للتأثر بنتائجه.
رابعاً: الانعكاس على لبنان
في لبنان، يسود تفاهم ضمني بين القيادات الدرزية على تحصين الجبل ومنع انزلاقه إلى صراعات إقليمية.
غير أن أي تصعيد في السويداء أو الجنوب السوري سينعكس سياسياً وإعلامياً على الداخل اللبناني، نظراً إلى الترابط الاجتماعي والعائلي.
كما أن الانقسام السياسي بين المختارة وخلدة والجاهلية قد يُستحضر في سياق سجال حول الموقف من إسرائيل أو من تطورات سوريا، ما يفتح الباب أمام توتر سياسي وإن بقي مضبوطاً أمنياً.
خامساً: سيناريوهات المرحلة المقبلة
احتواء مضبوط:
يبقى التعيين في إطار تنسيقي محدود دون تحولات ميدانية كبرى.
تصعيد مرتبط بالضربات الإسرائيلية:
إذا تصاعدت المواجهة بين إسرائيل وإيران في سوريا، قد تتحول السويداء إلى منطقة حساسة أمنياً، مع انعكاسات سياسية على لبنان.
إعادة رسم ترتيبات الجنوب السوري:
في حال تراجعت قبضة النظام أو تفاقمت الفوضى، قد تُطرح صيغ لامركزية أو ترتيبات أمنية خاصة، ما يجعل الملف الدرزي جزءاً من معادلة إقليمية أوسع.
خلاصة أمنية
تعيين غسان عليان لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي الأوسع.
إنه مؤشر إلى أن إسرائيل تنظر إلى الجنوب السوري ليس فقط كساحة عسكرية، بل كفضاء اجتماعي–سياسي يجب فهمه وإدارته ضمن صراعها المفتوح مع إيران.
وفي بيئة مترابطة بين سوريا ولبنان وفلسطين، تبقى أي خطوة من هذا النوع محكومة بحساسية عالية، حيث يتداخل الأمني بالسياسي، والإقليمي بالمحلي، في معادلة دقيقة قد تبقى مضبوطة… أو تنزلق إذا اختلت توازناتها.







