حرية | الخميس 19 آذار 2026 إعداد: مركز حرية الاستشاري الاعلامي – أشراف: أحمد خالد الحمداني
في موازاة التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، تتصاعد حرب موازية لا تقل خطورة عن المواجهات التقليدية، تتمثل في “حرب المعلومات” التي تتخذ من الشائعات والعمليات النفسية أدوات رئيسية لإرباك المجتمعات وإضعاف الثقة بالمؤسسات الرسمية هذه الحرب، التي تُدار عبر الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبحت أحد أبرز ملامح الصراعات الحديثة، حيث لا تُستهدف الجغرافيا فقط، بل يُستهدف وعي الإنسان نفسه.
تعريف الشائعة: بين المعلومة الناقصة والتضليل المتعمد
تُعرّف الشائعة في الأدبيات الإعلامية والأمنية بأنها “معلومة غير مؤكدة أو مضللة يتم تداولها على نطاق واسع دون وجود مصدر موثوق، وغالباً ما تتضخم مع كل عملية نقل”. وفي سياق الحروب، تأخذ الشائعة بعداً أكثر خطورة، إذ تتحول من مجرد خبر غير دقيق إلى أداة منظمة تهدف إلى التأثير في الإدراك العام وتوجيه السلوك الجماعي.
وتشير دراسات الاتصال إلى أن الشائعات تنتشر في بيئات تتسم بثلاثة عوامل رئيسية: الغموض، القلق، ونقص المعلومات وكلما زادت هذه العوامل، ارتفعت قابلية المجتمع لتصديق وتداول الأخبار غير المؤكدة.
العمليات النفسية (Psychological Operations): الإطار الأوسع للشائعة
تندرج الشائعات ضمن ما يُعرف بـ”العمليات النفسية” أو (PSYOPS)، وهي أنشطة مخططة تهدف إلى التأثير في مشاعر ومعتقدات وسلوك الجمهور المستهدف، سواء كان مدنياً أو عسكرياً، بما يخدم أهدافاً سياسية أو عسكرية أو أمنية.
وتعتمد هذه العمليات على مجموعة أدوات، أبرزها:
بث معلومات مضللة أو مجتزأة.
تضخيم أحداث محدودة لإظهارها كأزمات كبرى.
نشر روايات متناقضة لإرباك المتلقي.
استهداف الثقة بالمؤسسات الرسمية.
في هذا السياق، لا تكون الشائعة عملاً عشوائياً دائماً، بل قد تكون جزءاً من حملة منظمة تُدار وفق أهداف محددة، تشمل إضعاف الروح المعنوية، خلق حالة من الذعر، أو دفع الجمهور لاتخاذ مواقف معينة.
لماذا تتفوق الشائعة على البيان الرسمي؟
رغم صدور بيانات رسمية من الجهات الحكومية، إلا أن العديد منها يواجه حالة من التشكيك أو عدم التفاعل، في مقابل انتشار واسع للشائعات. ويعزو خبراء الإعلام هذا التفاوت إلى عدة عوامل:
أولاً: سرعة الانتشار
الشائعة تنتشر فوراً عبر آلاف الحسابات، بينما يحتاج البيان الرسمي إلى وقت للتحقق والصياغة والموافقة، ما يخلق فجوة زمنية تستغلها المعلومات غير الدقيقة.
ثانياً: اللغة العاطفية
تعتمد الشائعات على خطاب صادم ومثير، بينما تميل البيانات الرسمية إلى اللغة الهادئة أو التقنية، ما يجعلها أقل جذباً للجمهور.
ثالثاً: تآكل الثقة التراكمي
في بعض البيئات، يؤدي تراكم التجارب السابقة إلى ضعف ثقة الجمهور بالمصادر الرسمية، ما يدفعه للبحث عن مصادر بديلة، حتى وإن كانت غير موثوقة.
دور المجاميع غير الرسمية: بين التأثير الأيديولوجي والدوافع المالية
تشير المعطيات إلى أن جزءاً كبيراً من الشائعات يُدار أو يُضخم عبر مجاميع غير رسمية تنشط على منصات التواصل، ويمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنماط رئيسية:
مجاميع رافضة للعملية السياسية:
تستغل الأزمات لتقويض شرعية الدولة وإضعاف ثقة الجمهور بالمؤسسات، عبر نشر روايات تشكك بكل ما يصدر رسمياً.
حسابات مدفوعة أو موجهة:
تعمل وفق أجندات خارجية أو مصالح مالية، حيث يتم توجيه المحتوى بما يخدم أطرافاً معينة، دون اعتبار للتداعيات الوطنية.
مؤثرون غير متخصصين:
يمتلكون جمهوراً واسعاً، لكنهم يفتقرون إلى الدقة المهنية، ما يجعلهم عاملاً مساهماً في تضخيم الشائعات دون قصد أحياناً.
تأثير الشائعات على الأمن والاستقرار
لا يقتصر تأثير الشائعات على الجانب الإعلامي، بل يمتد إلى أبعاد أمنية واجتماعية واقتصادية، من أبرزها:
إحداث حالة من الذعر الجماعي، خاصة في أوقات الأزمات.
إرباك القرارات الفردية، مثل النزوح أو التخزين المفرط للمواد.
الضغط على المؤسسات الأمنية والخدمية نتيجة معلومات غير دقيقة.
إضعاف الجبهة الداخلية عبر ضرب الثقة بين المواطن والدولة.
وفي بعض الحالات، قد تؤدي الشائعات إلى خلق أزمات حقيقية لم تكن موجودة أصلاً، ما يجعلها عاملاً مضاعفاً للخطر.
إدارة المعركة الإعلامية: التحديات والخيارات
في مواجهة هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى استراتيجية متكاملة لإدارة المعلومات في زمن الأزمات، تقوم على عدة محاور:
السرعة في تقديم المعلومة الدقيقة لتقليل الفراغ المعلوماتي.
تعزيز الشفافية لرفع مستوى الثقة العامة.
رصد وتحليل المحتوى الرقمي لتحديد مصادر الشائعات وأنماط انتشارها.
التوعية المجتمعية حول مخاطر تداول المعلومات غير الموثوقة.
كما يشير مختصون إلى أهمية بناء “مناعة إعلامية” لدى الجمهور، تقوم على التفكير النقدي والتحقق من المصادر قبل النشر أو التفاعل.
تؤكد المؤشرات أن الشائعة لم تعد ظاهرة هامشية، بل تحولت إلى أداة استراتيجية ضمن حروب الجيل الجديد، حيث يُستهدف الإدراك قبل الميدان. وفي ظل هذا التحول، يصبح الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية مرهوناً بقدرة الدولة والمجتمع معاً على إدارة معركة الوعي، التي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى.
وفي بيئة إقليمية متوترة، تبقى السيطرة على المعلومات، وبناء الثقة، وتعزيز الوعي، عناصر حاسمة في منع الشائعة من التحول إلى واقع، ومنع الخوف من أن يصبح أداة بيد من يسعى لإضعاف الدول من الداخل.








