حرية | الاثنين 2 آذار 2026
بقلم:أحمد الحمداني
لا أحد يطلب من إسرائيل أن “تخترع” حرية الإعلام كي تُثبت أنها ديمقراطية المطلوب فقط أن تتوقف عن إدارة المجال الإعلامي بعقلية “غرفة عمليات”، المشكلة ليست في وجود اعتبارات أمن قومي كما تدّعي كل الدول بل في تحويل الاعتبار الأمني إلى بوابة وحيدة تمرّ منها المعلومة وفي جعل الرقابة العسكرية ومزاج الأجهزة معياراً يتقدم على حق الجمهور في المعرفة وعندما يتكرر هذا النمط، يصبح السؤال مشروعاً كيف يطالب بلدٌ العالمَ بالدفاع عن الحرية والديمقراطية، فيما يخشى الصحافة الحرة ويعامل الكاميرا كأنها خصمٌ ميداني؟
في إسرائيل، الرقابة ليست هامشاً هناك منظومة رقابة عسكرية على النشر، ومع تصاعد الحروب والتوترات تتوسع هذه المنظومة عملياً لتطال تفاصيل تُعدّ في دول أخرى جزءاً من العمل الصحفي اليومي لجنة حماية الصحفيين تحدثت عن تشديد ملحوظ للرقابة وقمع التقارير المستقلة في سياق الحرب، بما في ذلك الضغوط على الصحافة، والتضييق على التغطيات التي تُحرج الرواية الرسمية.
وحين تصدر توجيهات تُلزم وسائل إعلام دولية بالحصول على موافقات مسبقة من “الرقيب العسكري” قبل البث أو التصوير من مناطق حسّاسة، فهذه ليست مجرد “إجراءات ميدانية”، بل هندسةٌ للسردية في الزمن الحقيقي. هذا ما أثارته تغطيات قانونية وإعلامية عندما تحدّثت عن تعليمات تطلب موافقة الرقابة العسكرية قبل بث مشاهد من مواقع قتال أو آثار ضربات صاروخية داخل إسرائيل.
وعندما تتحدث عن “لا حرية للإعلام في إسرائيل”، فأنت لا تطلق حكماً عاطفياً فقط؛ أنت تلتقط جوهراً سياسياً: الخوف من الحقيقة حين لا تخدم الهدف أوضح مثال على ذلك هو التعامل مع مؤسسات إعلامية بعينها بمنطق الإغلاق والمنع في 5 أيار 2024، قررت إسرائيل إغلاق مكاتب قناة الجزيرة داخل إسرائيل، في خطوة وُصفت بأنها تصعيد كبير في خصومة طويلة، واعتُبرت من قبل منتقدين “يوماً مظلماً للإعلام”.
وفي 22 أيلول 2024، لم يعد الأمر قراراً سياسياً من بعيد؛ بل وصل إلى صورة اقتحام عسكري لمكتب الجزيرة في رام الله وتسليم أمر إغلاق لمدة 45 يوماً وفق ما وثقته تقارير دولية.
ثم جاءت منظمات حقوقية لتقول بوضوح إن إغلاق المكاتب ومنع الوصول والتضييق على الصحفيين في الأراضي المحتلة يمثّل “ضربة قاسية” لحرية الصحافة، ويضيف طبقة جديدة إلى قيودٍ قائمة أصلاً.
القضية لا تقف عند الأبواب المختومة بالشمع الأحمر، بل تمتد إلى الأشخاص أنفسهم الصحفي بوصفه هدفاً قابلاً للتوقيف أو المنع أو الإبعاد أو الاعتقال الإداري لجنة حماية الصحفيين وثّقت موجة اعتقالات واسعة للصحفيين منذ اندلاع الحرب في 7 تشرين الأول 2023، وحدثت تحديثاتها إلى أرقام كبيرة مع مرور الوقت، بما يعكس نمطاً متواصلاً لا “حالات فردية”.
ومنظمة “مراسلون بلا حدود” تحدثت هي الأخرى عن تشديد القبضة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بما في ذلك توقيف صحفيين أثناء التغطيات، ووجود صحفيين ما زالوا رهن الاحتجاز.
لكن الأخطر، في تقديري، ليس عدد الاعتقالات وحده، بل الرسالة التي تُرسلها الدولة حين تجعل الصحافة ضمن “منطقة الاشتباه” بدل أن تعاملها كجزء من منظومة الرقابة المجتمعية في الدول التي تحترم نفسها ديمقراطياً، الصحفي يراقب السلطة، ويُسائلها، ويكشف تناقضاتها أما حين تنقلب المعادلة، وتصبح السلطة هي التي “تراقب الصحفي” وتحدد زاوية الكاميرا وما يقال وما يُحذف، فإننا نكون أمام إدارة للرأي العام لا أمام حماية للأمن.
واللافت أن إسرائيل لا تكتفي بتقييد الصحافة الفلسطينية أو العربية، بل توسّع القيود لتصل إلى الصحافة الدولية نفسها عبر منع الوصول أو تقييد الحركة أو وضع شروط على التصوير والبث وعندما يُحرم الصحفيون الدوليون من الدخول الحر لتغطية مناطق الحرب، أو تُفرض عليهم قنوات إذنٍ مسبق، فهذا يخلق بيئة “شهادة أحادية” تُنتج رواية واحدة وتُضعف مبدأ التحقق المستقل. Amnesty أشارت صراحة إلى القيود على دخول الصحفيين الدوليين إلى غزة وتوسّع القمع ليشمل الضفة أيضاً.
ثم تأتي المفارقة الأكبر الخطاب الإسرائيلي الرسمي لا يتوقف عن تقديم إسرائيل بوصفها “واحة الديمقراطية” في الشرق الأوسط، لكنه عملياً يتعامل مع الصحافة كأنها معركة إضافية ينبغي ضبطها. الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط؛ هي أيضاً صحافة تستطيع أن تسأل من قرر؟ ولماذا؟ وبأي سند؟ وما هي كلفة القرار على المدنيين؟ وحين تتقلص مساحة السؤال، تبهت الديمقراطية ولو بقيت الشعارات لامعة.
ولأن المقال الصحفي يجب أن يقول ما لا تقوله البيانات، سأقولها بوضوح الخوف من حرية الإعلام ليس خوفاً من “الكذب” كما يُروَّج، بل خوفٌ من سرديةٍ لا يمكن التحكم بها الدولة التي تعتقد أن الحقيقة تُدار بقرار، وأن الصورة تُعالج بقرار، وأن المعلومة تُفلتر بحجة الأمن، ستسقط عاجلاً أم آجلاً في تناقض أخلاقي أمام العالم كيف تطلب التعاطف باسم “حرية شعبك”، وأنت تضيّق على الصحفي الذي يحاول أن يرى “حرية شعبٍ آخر” أو حتى أن يرى الحقيقة كاملة؟
من حق أي دولة أن تحمي جنودها وخططها العسكرية لكن ليس من حقها أن تُحوّل الأمن إلى مظلةٍ لحجب الانتهاكات أو لتجفيف منابع الرواية الأخرى ومن حقها أن ترد على خطاب الكراهية، لكن ليس من حقها أن تخلط بين “التحريض” وبين “الصحافة” فتغلق مكتباً وتمنع كاميرا وتعتقل صحفياً ثم تطلب من العالم أن يصدق أنها تدافع عن الديمقراطية.
الخلاصة التي أريدها من هذا المقال بسيطة وقاسية في آن واحد، لا يمكن أن تكون الحرية انتقائية لا يمكن أن تُصدّر خطاب الحرية وتُصادر أدواتها ولا يمكن أن تقف على منابر العالم لتُحاضر عن الديمقراطية فيما تُدار الأخبار في الداخل بعقلية التصاريح والموافقات والإغلاقات وإذا كان العالم قد اعتاد ازدواجية المعايير، فإن الصحافة الحرة لا تعتاد ذلك الصحافة الحرة إما أن تكون حرة… أو لا تكون.







