حرية | تقرير تحليلي | 6 آذار 2026 – إعداد: قسم التحليل السياسي والامني – مركز حرية الاستشاري الاعلامي
في خضم التصعيد العسكري المتسارع في الشرق الأوسط، تعود مسألة القواعد العسكرية الأجنبية إلى واجهة النقاش الاستراتيجي. فهذه القواعد لا تمثل مجرد مواقع عسكرية تقليدية، بل تشكل شبكة نفوذ جيوسياسية معقدة تتحكم في جزء كبير من التوازنات الأمنية في المنطقة.
فعلى امتداد الخليج العربي وشرق المتوسط وآسيا الوسطى، تنتشر عشرات القواعد العسكرية التابعة لقوى دولية كبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا، إضافة إلى وجود عسكري إقليمي لبعض الدول المؤثرة هذه القواعد تشكل عملياً بنية تحتية عسكرية تتيح للقوى الكبرى التدخل السريع في أي أزمة إقليمية.
الولايات المتحدة… أكبر شبكة قواعد عسكرية في المنطقة
تعد الولايات المتحدة صاحبة أكبر حضور عسكري في الشرق الأوسط، حيث تمتلك شبكة واسعة من القواعد الجوية والبحرية تمتد من الخليج العربي حتى شرق البحر المتوسط.
في الخليج العربي وحده، تنتشر قواعد أمريكية رئيسية في الكويت وقطر والبحرين والإمارات، إضافة إلى وجود عسكري في العراق وسوريا والأردن وتلعب هذه القواعد دوراً محورياً في إدارة العمليات الجوية والبحرية، فضلاً عن دعم القوات المنتشرة في المنطقة.
ومن أبرز هذه المواقع قاعدة العديد الجوية في قطر، التي تعد أكبر قاعدة جوية أمريكية في الشرق الأوسط، حيث تضم مركز القيادة الجوية للعمليات العسكرية في المنطقة كما تحتضن البحرين مقر الأسطول الخامس الأمريكي المسؤول عن العمليات البحرية في الخليج العربي وبحر العرب.
القواعد البريطانية والفرنسية… حضور أوروبي متنامٍ
إلى جانب الولايات المتحدة، تحافظ بعض الدول الأوروبية على وجود عسكري مهم في الشرق الأوسط، خصوصاً في الخليج العربي.
المملكة المتحدة تمتلك قاعدة بحرية في البحرين، وهي أول قاعدة عسكرية بريطانية دائمة شرق السويس منذ عقود كما تشارك القوات البريطانية في العديد من المهام العسكرية المشتركة في المنطقة.
أما فرنسا فتمتلك قاعدة عسكرية في أبوظبي تضم وحدات بحرية وجوية وبرية، وتعد إحدى أهم نقاط الانتشار العسكري الفرنسي خارج أوروبا ويتيح هذا الوجود لباريس المشاركة في عمليات الأمن البحري ومراقبة الممرات البحرية الاستراتيجية.
روسيا… بوابة المتوسط عبر سوريا
في المقابل، عززت روسيا حضورها العسكري في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً عبر قاعدتها البحرية في ميناء طرطوس السوري وقاعدة حميميم الجوية في الساحل السوري.
هذه القواعد تمثل بالنسبة لموسكو نقطة ارتكاز استراتيجية في شرق البحر المتوسط، حيث تتيح لها الحفاظ على وجود عسكري دائم في المنطقة، إضافة إلى مراقبة التحركات العسكرية لحلف شمال الأطلسي في البحر المتوسط.
كما تمنح هذه القواعد روسيا قدرة أكبر على التأثير في توازنات القوى في الشرق الأوسط، سواء عبر الدعم العسكري لحلفائها أو عبر لعب دور سياسي في الأزمات الإقليمية.
القواعد العسكرية كأدوات نفوذ
القواعد العسكرية لا تُستخدم فقط في العمليات القتالية، بل تمثل أيضاً أدوات نفوذ سياسي واستراتيجي. فوجود قاعدة عسكرية في دولة ما يعكس مستوى عالياً من التعاون الأمني بين الطرفين، كما يمنح الدولة المضيفة ضمانات أمنية في مواجهة التهديدات الإقليمية.
وفي المقابل، يمنح هذا الوجود الدولة صاحبة القاعدة قدرة على التأثير في مسار الأحداث السياسية والعسكرية في المنطقة.
ولهذا السبب، غالباً ما تكون القواعد العسكرية جزءاً من معادلات التحالفات الدولية، حيث ترتبط باتفاقيات دفاعية وتعاون أمني طويل الأمد.
الشرق الأوسط… عقدة الجغرافيا العسكرية العالمية
ما يجعل الشرق الأوسط محوراً لهذه الشبكة الواسعة من القواعد العسكرية هو موقعه الجغرافي الفريد فالمنطقة تقع عند تقاطع ثلاث قارات، وتضم أهم ممرات الطاقة في العالم، إضافة إلى قربها من مناطق توتر استراتيجية.
وهذا ما يدفع القوى الكبرى إلى الحفاظ على وجود عسكري دائم فيها، سواء لحماية مصالحها الاقتصادية أو لضمان قدرتها على التدخل السريع في الأزمات.
هل تُعد القواعد العسكرية الأجنبية احتلالاً؟
يثير انتشار القواعد العسكرية الأجنبية في الشرق الأوسط جدلاً مستمراً حول طبيعة وجودها هل هو تعاون أمني مشروع بين دول ذات سيادة، أم أنه شكل من أشكال النفوذ العسكري الذي يقترب في بعض الحالات من مفهوم الاحتلال غير المباشر؟
من الناحية القانونية، يميز القانون الدولي بين “الاحتلال العسكري” وبين “الوجود العسكري بناءً على اتفاقيات ثنائية” فالاحتلال، وفق اتفاقيات لاهاي وجنيف، يحدث عندما تفرض دولة سيطرتها العسكرية على أراضي دولة أخرى دون موافقة حكومتها الشرعية أما القواعد العسكرية الأجنبية التي تنشأ بموجب اتفاقيات دفاعية أو أمنية بين دولتين، فهي من الناحية القانونية لا تُصنَّف كاحتلال طالما أن الدولة المضيفة وافقت على وجودها واحتفظت بسيادتها الرسمية على الأرض.
لكن في المقابل، يرى بعض الباحثين في العلاقات الدولية أن المسألة لا تتوقف عند الجانب القانوني فقط، بل تمتد إلى البعد السياسي والاستراتيجي فوجود قواعد عسكرية أجنبية لفترات طويلة، خصوصاً في مناطق حساسة جيوسياسياً، قد يمنح الدولة المالكة لتلك القواعد قدرة كبيرة على التأثير في القرار الأمني والسياسي للدولة المضيفة وفي هذه الحالة يتحدث بعض المحللين عن ما يسمى “النفوذ العسكري الممتد” أو “الهيمنة الاستراتيجية”، وهي مفاهيم تشير إلى تأثير عسكري وسياسي عميق دون أن يصل إلى مستوى الاحتلال المباشر.
كما أن النظرة إلى هذه القواعد تختلف بحسب السياق السياسي في كل دولة ففي بعض الدول تُعتبر القواعد العسكرية الأجنبية جزءاً من منظومة الحماية الأمنية والتحالفات الدفاعية، خصوصاً في المناطق التي تواجه تهديدات إقليمية بينما في دول أخرى يُنظر إلى هذا الوجود العسكري باعتباره تقليصاً للسيادة الوطنية أو امتداداً لنفوذ القوى الكبرى في المنطقة.
وفي الشرق الأوسط تحديداً، تتداخل هذه القراءات المختلفة بسبب طبيعة المنطقة التي تعد من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية، إذ تضم أهم ممرات الطاقة العالمية وتقع عند تقاطع ثلاث قارات. ولهذا السبب تحرص القوى الكبرى على الحفاظ على وجود عسكري دائم فيها، سواء لحماية مصالحها الاقتصادية أو لضمان قدرتها على التدخل السريع في الأزمات.
في المحصلة، يمكن القول إن القواعد العسكرية الأجنبية لا تُعد احتلالاً بالمعنى القانوني الصريح عندما تقوم على اتفاقيات رسمية مع الدول المضيفة، لكنها في الوقت نفسه تمثل أدوات نفوذ استراتيجية للقوى الكبرى، وهو ما يجعل الجدل حولها مستمراً بين من يراها ضرورة أمنية ومن يعتبرها شكلاً من أشكال الهيمنة العسكرية غير المباشرة.
ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط، تبدو شبكة القواعد العسكرية الأجنبية وكأنها خريطة موازية للحدود السياسية في المنطقة فهذه القواعد تشكل عملياً منظومة انتشار عسكري تتيح للقوى الكبرى مراقبة التطورات والتحرك بسرعة عند الحاجة.
وفي عالم تتزايد فيه المنافسة بين القوى الكبرى، قد تصبح هذه القواعد أكثر أهمية في السنوات القادمة، ليس فقط كمنصات عسكرية، بل أيضاً كأدوات لإدارة التوازنات الجيوسياسية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.








