حرية – (2/2/2023)
قد يكون المشهد الأخير من “فوضى” الذي تبثه “نتفليكس”، الأجمل في المسلسل الذي بدأ عرض جزئه الرابع قبل أيام. والجمال هنا ليس فنياً بحتاً، بل لما يحمله من رسائل سياسية وعسكرية وإنسانية، وقدرة إخراجية على فتح المجال لتأويل العديد من الأفكار التي وردت في العمل المتقن، كقراءة جنود النخبة الإسرائيليين لسورة الفاتحة وهم ملقون على الأرض، بعد قتلهم لعناصر خلية فلسطينية “مخربة”.

لا يعطي المسلسل المجال للرواية الفلسطينية في التطور
يمكن الكلام كثيراً عن هذا المشهد، بخاصة أن الجنود الإسرائيليين أصيبوا جميعاً ومنهم من قتل، وهذا يظهر الجماعة على أنهم ضحايا في هذا الصراع الممتد منذ عشرات السنين، وللمشهد أيضاً قوة تأثيرية على الصعيد النفسي، خصوصاً لمن لا يعرف حقيقة هذا الصراع.
البداية
في العام 2015 ولدى عرض الجزء الأول من “فوضى”، أثار العمل الكثير من الآراء السلبية حوله، لأنه قدّم الرواية الإسرائيلية فقط، وتحيّز لوجهة نظر واحدة، ما لم يساعد في انتشاره كثيراً.
يتناول المسلسل قصة وحدة إسرائيلية سرية تسمى “مستعرفيم” (المستعربون)، تنفذ قواتها الخاصة مهمات في الأراضي الفلسطينية المحتلة وهي تتنكر كالعرب. ركز الجزء الأول والثاني من العمل على العمليات السرية للوحدة في الضفة الغربية، فيما انتقل في جزئه الثالث للعمليات المنفذة في غزة.
في الأجزاء الثلاثة الأولى، لم يخرج المسلسل كثيراً من محليته، على عكس الجزء الرابع الذي يعرض حالياً، إذ تطورت الحبكة الدرامية وخرجت من تل أبيب والضفة الغربية وجنين، إلى بروكسيل ولبنان وإيران.
في المقابل، تجسّد الحلقات الجديدة من العمل، ما يحصل في الحقيقة من صراع سياسي وعسكري ما بين إسرائيل و”حزب الله” وإيران، والتهديدات المتكررة بينهم. لم تظهر حركتا “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في ثنايا الجزء الرابع، إلا ضمن مشاهد قليلة جداً، ويبرز هنا هذا التطور الدراماتيكي في الحبكة الدرامية، إذ يُذكر “حزب الله” للمرة الأولى وبشكل فعال في العمل.
في الجزء الجديد، تختطف خلية فلسطينية مدعومة من الحزب في بروكسيل ضابطاً كبيراً في الاستخبارات الإسرائيلية، ومن هناك يُنقل إلى لبنان، ويتسلم الحزب التحقيق معه وينجح في استخراج معلومات استخباراتية هامة منه، تُساعد الخلية لاحقاً في ضرب أهداف حيوية في تل أبيب، والكشف عن شبكة جواسيس كبيرة، ما يُعطل عمل “الشاباك”، ويفقده القدرة على معرفة التطورات.

جندية اسرائيلية متخفية بزي عربي
وتكمن الذروة الدرامية، حين تقرّر الاستخبارات الإسرائيلية إنقاذ الضابط واستعادته من قلب العاصمة اللبنانية، فتحبك قصة على ضابطة يهودية عربية، لتساعد أخاها الذي اختطف الضابط وسلمه إلى “حزب الله”. في الخلاصة تنجح مجموعة “مستعرفيم” (المستعربون) في استعادة رجل الأمن، وتقضي على مجموعة الحزب والخلية الفلسطينية.
“المستعربون”
ظهر “المستعربون” حتى قبل النكبة، يرجح في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو المصطلح الذي يشار به إلى قوات إسرائيلية خاصة قادرة على الانخراط في أوساط المواطنين الفلسطينيين بهوية فلسطينية أو عربية مزيفة. أسلحتهم في هذه المهمة ملامحهم الشرقية، وإجادة اللغة العربية، والقدرة على ممارسة طقوس الدين الإسلامي ببراعة، والمعرفة الواسعة بالعادات الفلسطينية. وكثيراً ما يحمل هؤلاء المستعربون أسلحة خفيفة يسهل إخفاؤها تحت ملابسهم.
تعدّدت أغراض تشكيل هذه الوحدات، أهمها الانخراط في أوساط الفلسطينيين بأماكن وجودهم بغية معرفة كيف يفكرون وما مواردهم وكيف يمكنهم مواجهة أي اعتداء على أراضيهم كما حدث إبان النكبة، إضافة إلى التجسس عليهم ومعرفة ما يدور في خلدهم وفي ما بينهم وتنفيذ عمليات اختطاف واغتيال.







