وكالة حرية | الاثنين 4 آب 2025
يتزايد عدد الأتراك، لا سيّما من الفئات الشابة، الذين يُبدون استعداداً لبيع كليتهم مقابل مبالغ مالية لا تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات، في دلالة على أنّ الأزمة الاقتصادية في البلاد تضغط بثقلها على جميع الطبقات الاجتماعية.
ورغم أنّ هذه الظاهرة لا تزال محدودة من حيث الحجم، إلا أنها تعكس بوضوح الأثر المُتراكم للأزمتين الاقتصادية والمعيشية والتضخم المُتسارع على الأسر والأفراد.
وذلك على الرغم من أنّ مُعدّل التضخم، الذي بلغ ذروته عند 85% بنهاية عام 2022، انخفض إلى ما دون 40% في فبراير (شباط) 2025 لأوّل مرّة منذ ما يقرب من عامين.
وتحتل تركيا المرتبة الأولى عالمياً في عمليات زراعة الكلى من مُتبرّعين أحياء، وفقاً لأرقام المرصد العالمي للتبرّع وزراعة الأعضاء.
وبينما يستحيل التمييز بين العمليات القانونية وغير القانونية، أشار تقرير للبرلمان الأوروبي إلى تركيا كواحدة من مراكز الاتجار العالمية بالأعضاء، بحسب تحقيق أجرته صحيفة “لا كروا” الفرنسية في إسطنبول.
فقدان الأمل
كشفت بيانات رسمية أنّ مُعدّل البطالة بلغ 8.2% في الربع الأول من العام الجاري، بينما ارتفع إلى نحو 15% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، لكنّ مركز الأبحاث التابع لاتحاد النقابات العمالية يزعم من جهته أنّ المُعدّلات الحقيقية أكثر وتصل إلى 37.5% بين الشباب.
وبحسب معهد الإحصاء التركي، فإنّ 23% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً ليسوا طلاباً ولا يعملون. ما يؤكد أنّ هذه الأزمة تضرب الجيل الشاب بشكل خاص، وتدفع به نحو خيارات قصوى تعكس فقدان الأمل في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وبحسب تقرير يومية “لا كروا”، فإنّه مُنذ اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، في مارس (آذار) الماضي، كانت حملة أنقرة السياسية واسعة النطاق ضدّ المُعارضة مُكلفة، إذ أنفق البنك المركزي 50 مليار دولار لإنقاذ عملته. ومع التضخم المُفرط ازداد الفقراء فقراً، وانتشر الإفلاس والبطالة. وفيما تُواصل الأسعار ارتفاعها الجنوني، فإنّه في هذا الصيف، حتى الزائر الأوروبي العابر سيُفاجأ بتكاليف المعيشة الباهظة.
“عُمري 17، أبيع كليتي من فصيلة دم O+”
في ظل هذه الظروف المعيشية القاسية، ظهرت في تركيا، مظاهر جديدة ومقلقة للاتجار بالبشر، من بينها بيع الأعضاء البشرية. ولم تعد تقييمات “غوغل” الخاصة بمؤسسة الكلى التركية تقتصر على مراجعات الأطباء أو جودة الخدمات، بل تحوّلت مؤخراً إلى ساحة إعلانات غير رسمية لبيع الكلى.
وفي الأسابيع الأخيرة فقط، نُشر نحو 100 إعلان من هذا النوع، من بينها ما كتبه شاب يُدعى محمد أمين بويوخان: “أبيع كليتي من فصيلة الدم O+. عمري 17 عاماً. سأبلغ 18 هذا العام. لا أعاني من أي مشاكل صحية. أبيعها بسبب ضائقة مالية”.
لكنّ هذه الرسالة لم تكن مُجرّد نداء استغاثة بل كانت أقرب إلى وصية، فقد أقدم محمد على الانتحار في اليوم التالي لنشرها. وعلى حسابه في إنستغرام، أُضيف إلى اسمه تاريخ الوفاة، وعبارة مختصرة حملت مرارة “الصمت أقوى صرخة”، إلى جانب رمز زهرة ذابلة أضافه أحباؤه.
ما حدث مع محمد ليس حالة فردية فقط، بل مرآة حزينة لأجيال شابة تعيش على حافة الانهيار، تبحث عن الخلاص بأيّ ثمن، ولو بجزء من جسدها، بحسب الخبير في الشؤون التركية توماس غيشارد، مراسل “لا كروا” في إسطنبول.
يُمكن العيش بكلية واحدة، لكن ليس بالديون!
أصبح بيع الكلى إذاً خياراً مُتاحاً لأكثر الناس حاجة في تركيا. وكما يُقرّ أحد هؤلاء “يُمكن العيش بكلية واحدة، لكن ليس بالديون”.
من جهته يُوضح تيمور إرك، رئيس مؤسسة الكلى التركية، إنّه شهد هذا الوضع منذ انطلاق المؤسسة في عام 1985، لكنّ “الظاهرة تتفاقم” هذا العام.
وفي إسطنبول، مثلاً، بات مقرّ المؤسسة يستقبل في 2025 حوالي عشر مُكالمات يومياً من بائعين يستفسرون عن الشروط والمُقابل.
ووصل الأمر بأحد المُتبرّعين الشباب، بالتهديد بأنّه إذا لم يُجب أحد على إعلانه، سيلجأ إلى المافيا المحلية، حيث قد يُدر عليه بيع كليته ما بين 4000 و10000 يورو. أما المخاطر؟ فيقول “لا تهم.. لقد سئمت العيش”.
بالمُقابل، يقول رئيس مؤسسة الكلى التركية إنّه سئم من تلقّي عروض “بيع الكلى” على حسابه الخاص على فيسبوك أو عبر البريد الإلكتروني، مُوضحاً “أقول لهم: يُرجى الامتناع عن هذه الأنشطة غير القانونية، فالاتجار بالأعضاء جريمة، والتشريعات صارمة”.
وحسب تقديره، فإنّ “حوالي 25% من الذين يعرضون بيع إحدى كليتهم لديهم دوافع وأسباب غير جدّية: شباب يرغبون في استبدال هواتفهم أو شراء دراجة نارية”.
يُذكر أنّه في 2023، كشفت السلطات التركية عن شبكة غير قانونية لزراعة الكلى في مستشفى خاص بإسطنبول، تمّ على إثرها اعتقال عدّة أشخاص بينهم أجانب.








