حرية | السبت 28 شباط 2026
رغد زيد
في خضم واحدة من أكثر الأزمات الدولية تعقيداً، يعود الملف النووي الإيراني إلى الواجهة بصيغة جديدة تبدو في ظاهرها مرنة، لكنها في جوهرها تعكس حجم المأزق الذي تعيشه الأطراف جميعاً. مقترح “صفر تخزين” لليورانيوم المخصّب، الذي كشف عنه وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، لا يمثل اختراقاً بقدر ما هو محاولة ذكية لإعادة تدوير الخلاف، وليس حله.
المعادلة المطروحة اليوم لا تتعلق فقط بتقنيات التخصيب أو نسب اليورانيوم، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال جوهري: هل يمكن احتواء طموح دولة إقليمية صاعدة عبر ترتيبات تقنية، أم أن المسألة أعمق من ذلك بكثير؟
توازن هش بين الردع والتنازل
يبدو أن واشنطن، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه، ويجنبها كلفة مواجهة عسكرية قد تكون مفتوحة على كل الاحتمالات. فبعد حشد عسكري غير مسبوق في المنطقة، لم تعد الحرب خياراً سهلاً، لكنها أيضاً لم تعد مستبعدة.
في المقابل، تدرك طهران أن الاستمرار في سياسة التحدي قد يجرّها إلى مواجهة مباشرة، لكنها في الوقت ذاته ترفض التخلي عن أوراق قوتها، وفي مقدمتها البرنامج النووي الذي يمثل، في نظرها، ضمانة استراتيجية لا يمكن التفريط بها.
هنا يظهر “صفر تخزين” كحل وسط: تنازل شكلي من إيران، وضمان نسبي للولايات المتحدة. لكن هل تكفي هذه الصيغة لردم فجوة الثقة العميقة؟
اتفاق بلا ثقة.. وصفة للفشل
التاريخ القريب يقول إن المشكلة لا تكمن في نصوص الاتفاقات، بل في غياب الثقة. فالاتفاق النووي السابق انهار رغم كل الضمانات، ليس بسبب خلل تقني، بل نتيجة تغير الحسابات السياسية.
اليوم، تعود الأطراف إلى الطاولة، لكن بشروط أكثر تعقيداً:
- واشنطن تريد تقييد البرنامج النووي والصاروخي معاً
- طهران ترفض توسيع التفاوض خارج الملف النووي
- إسرائيل ترفض أي اتفاق لا يوقف التخصيب بالكامل
في ظل هذه التناقضات، يبدو أن أي اتفاق قادم سيكون هشاً، وقابلاً للانهيار عند أول اختبار حقيقي.
الدبلوماسية تحت ظل الحرب
المفارقة أن هذا الحراك الدبلوماسي يتزامن مع تصعيد عسكري غير مسبوق. الحشود الأميركية في المنطقة، والتهديدات المتبادلة، والتوتر المتصاعد، كلها تشير إلى أن المفاوضات لا تجري في أجواء هادئة، بل تحت ضغط “حافة الهاوية”.
وهنا تكمن الخطورة: عندما تتحول الدبلوماسية إلى أداة لإدارة الأزمة وليس حلها، فإن أي اتفاق لن يكون سوى هدنة مؤقتة، بانتظار جولة تصعيد جديدة.
إسرائيل.. العامل الصامت الحاسم
لا يمكن فهم المشهد دون النظر إلى موقف إسرائيل، التي ترى في أي تنازل أميركي تهديداً مباشراً لأمنها. بالنسبة لها، “صفر تخزين” لا يعني شيئاً، طالما أن إيران تحتفظ بالقدرة التقنية على التخصيب.
هذا الرفض قد يدفع تل أبيب إلى التحرك منفردة، أو الضغط على واشنطن لتشديد موقفها، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد.
ما الذي تغيّر فعلاً؟
في الواقع، لم يتغير الكثير.
إيران لا تزال تريد الاعتراف بدورها الإقليمي وحقها النووي،
والولايات المتحدة لا تزال تريد احتواء هذا الدور،
وإسرائيل لا تزال ترى في إيران تهديداً وجودياً.
أما “صفر تخزين”، فليس سوى محاولة لتجميد الصراع، لا إنهائه.
الخلاصة
المشكلة ليست في كمية اليورانيوم، بل في ميزان القوة.
وليست في أجهزة الطرد المركزي، بل في صراع النفوذ.
لذلك، قد ينجح هذا المقترح في تأجيل المواجهة، لكنه لن يمنعها.
وقد يفتح نافذة للحل، لكنه لا يغلق باب الحرب.
وفي الشرق الأوسط، حيث تُدار الأزمات غالباً على إيقاع القوة لا التفاهم، يبقى السؤال الأهم:
هل نحن أمام اتفاق حقيقي… أم مجرد استراحة قصيرة قبل العاصفة؟







