حرية | السبت 28 شباط 2026
الدكتور صفاء الوائلي
حين تُقرَع طبول الحرب على إيران، لا يبقى العراق بمنأى عن الارتدادات. فالجغرافيا وحدها كفيلة بأن تجعل بغداد في قلب المشهد، إذ تتقاطع الحدود والمصالح والممرات الجوية والبرية بين البلدين، وتتشابك الملفات الأمنية والاقتصادية بصورة تجعل أي تصعيد إقليمي ذا أثر مباشر على الداخل العراقي.
أول التداعيات المحتملة يتمثل في البعد الأمني. فالعراق ما زال يخوض معركة تثبيت الاستقرار بعد سنوات من الحرب على الإرهاب، وأي مواجهة واسعة قد تفتح المجال أمام إعادة تنشيط خلايا متطرفة، أو استخدام أراضيه كساحة رسائل متبادلة بين أطراف الصراع. كما أن وجود مصالح وقواعد عسكرية أجنبية داخل البلاد يجعلها عرضة لضغوط معقدة، بين مقتضيات السيادة وحسابات التحالفات.
اقتصادياً، سيكون العراق أمام تحدٍ مزدوج. من جهة قد ترتفع أسعار النفط، ما يعزز الإيرادات على المدى القصير، لكن من جهة أخرى فإن اضطراب الأسواق وسلاسل الإمداد، وإغلاق الممرات أو تأثر حركة الملاحة في الخليج، قد ينعكس سلباً على التجارة والطاقة والاستثمارات. العراق، بحكم اقتصاده الريعي، أكثر حساسية للتقلبات الحادة في أسعار وأسواق الطاقة.
سياسياً، قد تعمّق الحرب الانقسام الداخلي بين قوى ترى في الحياد أولوية وطنية، وأخرى ترتبط بمحاور إقليمية متباينة. هنا يبرز اختبار الدولة: هل تستطيع الحفاظ على قرار مستقل يجنّبها الانجرار إلى صراع لا يخدم أولوياتها التنموية؟ أم تتحول إلى ساحة تجاذب تضعف مؤسساتها وتربك استحقاقاتها الدستورية؟
اجتماعياً، يحمل أي تصعيد مخاطر القلق الشعبي، وتنامي الخطاب التعبوي، وربما ضغوط إنسانية إذا اتسع نطاق المواجهة. المجتمع العراقي، المثقل بإرث الحروب، يتوجس من عودة أجواء عدم اليقين.
بين صدى الحرب وحقيقتها، يقف العراق أمام مفترق طرق: إما أن يرسّخ سياسة النأي بالنفس الفعلي، مدعومة بدبلوماسية نشطة وتوازنات دقيقة، أو يجد نفسه مرة أخرى في قلب عاصفة إقليمية تتجاوز قدرته على التحكم بمساراتها. وفي لحظة كهذه، تصبح الحكمة السياسية وإدارة المخاطر الوطنية ليست خياراً، بل ضرورة وجودية.







