حرية ـ (4/6/2025)
نبني الأسوار للحماية والوقاية والخصوصية والدفاع، وقائمة طويلة من الأسباب التي قلما نذكر فيها العوامل النفسية والعصبية. على مدار التاريخ شيدت البشرية أسواراً وهدمت أخرى، وبنت قباباً وتخلصت من بعضها، وعدت السور مضاداً للحرية ثم سرعان ما تعاملت معه باعتباره ضامناً لها، وناصبت القباب الدفاعية العداء قبل أن تعاود اللجوء إليها لتدرأ عن نفسها خطراً ما أو تضمن لبعضها مكاسب ومنافع.
واقع الحال يشير إلى أن دول العالم، تلك التي تقدس الحرية باعتبارها أبرز أساستها، أو تلك التي تفتقدها لأنها مسلوبة أو مفقودة أو خرجت ولم تعد، تزخر بعدد كبير من الأسوار وتفاخر بعدد آخر يتزايد من القباب، ولم تعد الحدود المتخيلة تكفي والقوات المدربة تضمن والتقنيات المتطورة تقي شرور الأخطار والأهوال.
التاريخ والسور
التاريخ القديم يزخر بالأسوار الدفاعية. كان هذا في أزمنة ما قبل المسيرات والطائرات من دون طيار وكاميرات المراقبة ومجسات الترصد ومعلومات الاستخبارات. الأشهر هو “سور الصين العظيم” الذي بدأ تشييده خلال القرن السابع (ق. م)، واستمر بناؤه وتطويره حتى القرن الـ17 الميلادي، ممتداً لما يزيد على 21 ألف كيلومتر. وعلى رغم ضخامة البناء وهول الإنفاق ومكانته في التاريخ، فإنه فشل عشرات المرات في صد الهجمات على الصين عبر مئات الأعوام. فشل السور دفاعياً لكنه بقي رمزاً ثقافياً.
ومن الصين إلى إسبانيا، حيث شيدت “أسوار آبلة” خلال القرن الـ12 لحماية السكان من صراعات مملكتي “قشتالة” و”ليون”. واليوم انتفت أهمية السور الدفاعية أو قيمتها، وبقى السور فاصلاً بين سكان يعيشون في شقق صغيرة داخل محيطه، وشباب يختارون رحابة المساحات خارج حدوده.
ومن إسبانيا إلى مصر والسور الدفاعي الذي أمر صلاح الدين الأيوبي ببنائه، بحسب ما ورد في كتاب المقريزي “السلوك لمعرفة دول الملوك”، إذ بعد سقوط الدولة الفاطمية وتوحيد مصر تحت راية الدولة الأيوبية عام 567 هجرية، أصدر صلاح الدين الأيوبي أوامره ببناء سور دفاعي لصد أي عدوان محتمل يضم مناطق الفسطاط والعسكر والقطائع والقاهرة، وتضمنت عملية البناء حفر خندق عميق تحت الأرض وبناء قلعة شامخة على هضبة المقطم، واليوم رحل صلاح الدين الأيوبي وعلى رغم بقاء الأخطار المحتملة وبقاء السور والقلعة، فإنه أصبح رمزاً تاريخياً وجزءاً لا يتجزأ من تاريخ مصر وثقافتها.
“عبق” سور برلين
بين الأسوار ما يذكر بأحداث أو مجريات غير محببة، أو أزمنة وأيديولوجيات لا تدعو إلى الاستحسان أو حتى الترحم. فما زالت الملايين تتذكر سور برلين، وقلة بين هذه الملايين تعده سوراً عظيماً يعكس عبقاً وحنيناً.
انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية أدى إلى تقسيم ألمانيا إلى أربع مناطق تحت سيطرتهم، وخلال مايو (أيار) 1949، أسس “المنتصرون” (أميركا وبريطانيا وفرنسا) “جمهورية ألمانيا الاتحادية” التي عرفت في ما بعد بـ”ألمانيا الغربية”. وبعد أشهر، رد الاتحاد السوفياتي (سابقاً) بتأسيس “ألمانيا الديمقراطية” التي عرفت في ما بعد بـ”ألمانيا الشرقية”. وبعدها بثلاثة أعوام، قرر الاتحاد السوفياتي إغلاق الحدود بين الألمانيتين ولكن الإغلاق لم يفلح، إذ استمر الآلاف في الهرب من ألمانيا الشرقية إلى الغربية. وخلال عام 1961 قرر رئيس ألمانيا الشرقية فالتر أولبريشت بناء سور فاصل عازل وواقٍ بين البرلينيتين (الشرقية والغربية)، وأصبح المرور من هذه إلى تلك أمراً غير مسموح. طوب وخرسانة وحديد فصلت بين الدولتين على امتداد 155 كيلومتراً، وقطعت المدينتين من الشمال إلى الجنوب لمسافة 43 كيلومتراً.
ولم يُكتفى بالسور لمنع التسلل والمرور واختلاط الأيديولوجيات بين الألمان، بل حُصن بأسلاك شائكة وأبراج مراقبة وإضاءة تحول الليل نهاراً.
وخلال نوفمبر (تشرين الثاني) 1989 قرر الألمان هدم سور برلين، وتسارعت الأحداث وأصبحت ألمانيا واحدة وبرلين بلا سور، باستثناء النصب التذكاري لسور برلين الذي يزوره الألمان وغيرهم ليتذكروا كيف فشل السور في فرض سطوة الفصل والمنع بين شعبين يجمعهما أصل واحد.
انتهاء عصر السور
ظن كثر وتمنى غيرهم أن يكون عصر السور، باعتباره رمزاً للانقسام والحكم الاستبدادي، انتهى خلال العصر الحديث. ولمَ لا؟ وهو العصر الذي تغنت فيه الملايين بـ”العالم الذي أصبح قرية واحدة” و”الحدود التي تلاشت خلال العصر الرقمي”. إنه عصر العولمة حيث الترابط والتشابك والتعاون المتزايد بين ثقافات واقتصادات وشعوب الأرض عبر حدود مفتوحة وتبادلات تجارية حرة بلا قيود أو شروط أو أسوار، لكن الحقيقة أن العالم يركض بسرعة غير مسبوقة نحو الأسوار. ويوجد حالياً 77 سوراً “مهماً” حول العالم. ومنذ عام 2015، شهد الكوكب بناء آلاف الكيلومترات من الأسوار منها نحو 1300 كيلومتراً داخل أوروبا فحسب.

ما زالت الملايين تتذكر سور برلين، وقلة فقط منهم تعده سوراً عظيماً يعكس عبقاً وحنيناً
العالم نفسه الذي ظل يتباهى بعصر السماوات المفتوحة، وقبلها بعصر الحدود الملغاة، وأثناءها بعصر قيود السفر المرفوعة، هو نفسه الذي يسارع الزمن ويصارع الجغرافيا من أجل بناء مزيد من الأسوار وتشييد القباب الدفاعية، وربما الهجومية.
الملتفتون لما يجري من تهافت على بناء الفواصل وتشييد الموانع يقدمون توليفة من الشروح. هو عرض لانعدام مساواة عالمي. هو نتيجة لإخفاق فكر العولمة الذي تحول من تجميع الناس وتوحيد الشعوب في قرية صغيرة إلى إنتاج ديناميات من شأنها أن تعمق الفجوات وتصنع –بالمعنى الحرفي والفعلي للكلمة- موانع تحول دون الانتقال وتعمق من الانفصال، إضافة بالطبع إلى تعاظم الحاجة إلى أساليب دفاعية، ولو قديمة، وتنامي الشعور بأن “الشعب معرض لخطر الهجوم”، وهو ما يضع شعوباً بأكملها في خانة “القلق الاجتماعي” الشديد.
أسوار وقباب
قبل أيام، تحدثت الإدارة الأميركية الجديدة عن “قبة ذهبية” ستغير قواعد اللعبة، على حد وصف وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث. والقبة الذهبية التي تحدث عنها الرئيس الأميركي ترمب أيضاً، منظومة دفاع صاروخي كلفتها 175 مليار دولار، وستكون جاهزة للعمل عام 2029، أي قبل انتهاء ولاية ترمب الحالية بقليل.
وقبل أعوام، تحدث الرئيس ترمب وقام بالفعل خلال فترته الرئاسية الأولى ببناء أجزاء من السور الفاصل بين أميركا وحدودها الجنوبية مع المكسيك، التي يعبر منها كثر نحو أميركا. وسور المكسيك أو سور ترمب أو “السور” كما أصبح معروفاً كان وعداً انتخابياً في حملة ترمب الرئاسية عام 2016، إنه “السور” الذي أعجب مؤيديه وأغضب معارضيه، وبُنيت أجزاء منه على رغم وعد أولي بأنه سيُبنى على طول الحدود مع المكسيك والممتدة لما يزيد على 3200 كيلومتر. وأمام صعوبة التمويل (5.7 مليار دولار) واستحالة التضاريس، قال ترمب إن البناء سيقام على نصف المسافة المزمعة، “لأن التضاريس الطبيعية مثل الجبال والأنهار ستقوم بمهمة الردع وتغطي بقية المسافة”.
وخلال الفترة الرئاسية الثانية، وعلى رغم ضبط الحدود وربط الهجرة غير النظامية لتصبح في أدنى مستوياتها، فإن حديث استكمال بناء “السور” أو “الجدار” يعود، وربما يصبح أولوية حين يتفرغ له الرئيس، بعدما تهدأ مناطق العالم المشتعلة حروباً وصراعات بعض الشيء.
وعلى رغم أن “السور” (بين أميركا والمكسيك) يبدو الأشهر والأكبر والأغرب والأكثر إثارة، فإن العالم يزخر هذه الآونة بأسواره وقبابه التي لا تقل إثارة عن “سور ترمب”.
“الضفة” وعام السور
“سور” أو “جدار” أو “حاجز” الضفة الغربية، الذي شيدته إسرائيل بقرار أحادي ليفصل بينها وبين الضفة الغربية، لا يقل جدلاً أو إثارة عن “السور” الأميركي، وإن كان يفوقه في نعوت يكتسبها مثل “الفصل العنصري” و”القهر الإنساني” وغيرهما. وخلال عام 2002 أقرت حكومة آرييل شارون بناء السور كرد فعل على انتفاضة الأقصى، وكان المخطط أن يمتد طوله لمسافة 733 كيلومتراً، أي أكثر من نصف مساحة حدودها مع الضفة الغربية.
جرى البناء على قدم وساق، ومع نهاية عام 2006 انتهى بناء 402 كيلومتر على أراضي وممتلكات الفلسطينيين المتضررين، ويلتف السور في داخل الضفة ليشمل المستوطنات الإسرائيلية المشيدة هناك ليقتطع من مساحة الضفة. واليوم، يمتد طول السور على مسافة تزيد على 700 كيلومتر.
بحسب “مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية” ،شوه السور معالم الضفة الغربية وعطل الحياة الاجتماعية والأنشطة الاقتصادية والوصول إلى الخدمات. وخلف هذا السور يسكن الآلاف من الفلسطينيين في تجمعات سكانية بقيت بين الجدار وخط الهدنة عام 1949 المعترف به دولياً، والمعروف بـ”الخط الأخضر”. وقبل عملية السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وتعقد الأمور وتأزمها، كان هؤلاء السكان معزولين إلى حد كبير عن المدن الرئيسة وغيرها من مناطق الضفة. وتشير الأمم المتحدة إلى أن جيلاً من الفلسطينيين ولد وهو يعتقد أن العالم يحوي جداراً فاصلاً. وخرج هذا الجيل إلى الحياة، وهو لا يعرف ما الذي يقبع خلف السور. وحتى أهل الضفة باتوا يشيرون إلى أبنائهم الذين ولدوا في عام التشييد بأنهم ولدوا في “عام السور” أو “عام الجدار”.
كل ما يعلمه مواليد عام السور وما يتذكره ذووهم أن الحياة خلف هذا السور أفضل من حيث الإمكانات والموارد والخدمات. ومع النتائج الكارثية لحرب القطاع، والممتدة للتوغل على الضفة وأهلها والتضييق عليهم، رسخ “السور” مكانته كرمز للتضييق وأيقونة للقهر والتقييد.
صرعة السور وعجز القبة
صرعة السور آخذة في الاتساع، تقوي من شوكتها أحداث المنطقة الملتهبة ويعزز من هيمنتها انشغال العالم بأحداث وحوادث تبقي الجميع ملتصقاً بأولوياته الوطنية ومنشغلاً بمساراته ومصائره الشخصية. سور جديد صدقت عليه إسرائيل قبل أيام وأعلنت تشييده. وهذه المرة السور سيشيد على حدود إسرائيل الشرقية مع الأردن، وتشمل خطته تعزيز سيطرتها على الغور عبر بناء بؤر استيطانية ومزارع ومعسكرات، إضافة إلى نظام دفاعي متعدد الطبقات بطول 425 كيلومتراً من جنوب مرتفعات الجولان وحتى شمال إيلات.
السبب المعلن هو “إجهاض محاولات إيران تحويل الحدود الشرقية لإسرائيل إلى جبهة إرهابية”. وكانت إسرائيل قد أعلنت في مارس (آذار) الماضي عن بناء سور على طول حدودها مع الأردن، وكذلك الضفة الغربية “لمنع تهريب السلاح وتشجيع الإرهاب، وتعزيز الاستيطان”. وقالت وقتها إنها ستنتهي من بنائه خلال ثلاثة أعوام.
لم تقصر إسرائيل في منظومة الأسوار والقلاع والأبنية الدفاعية، وهي التي سبقت أميركا في بناء قبتها الشهيرة. صواريخ “سكود” العراقية التي أطلقت على إسرائيل بغزارة عام 1991، دفعتها إلى البحث عن سبل لتعزيز دفاعاتها الجوية. وكانت البداية مع إنشاء شبكة دفاع جوي مرتبطة بقاعدة تحكم مركزية، ثم بدأت في تطوير أنظمة دفاعية لتقليل احتمالات تسبب الرؤوس الحربية وحمولات الصواريخ التي تنطلق صوبها في إحداث أضرار كبيرة، ومنها إلى “مقلاع داوود” الذي يتصدى للصواريخ الباليستية قصيرة المدى، وأحدث الأنظمة الدفاعية هو “القبة الحديدية” التي دخلت الخدمة عام 2011 وأصبحت أشهر وأقوى أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلي وأكثرها استخداماً.

رغم ضخامته ومكانته في التاريخ فإنه فشل مراراً في صد الهجمات على الصين
وعلى رغم أن الغرض الرئيس منها كان اعتراض الصواريخ منخفضة التقنية التي تطلقها “حماس” من غزة، فإنه طُورت قدرات القبة بدعم من أميركا، وأصبحت قادرة على اعتراض الصواريخ ومدافع الهاون والطائرات من دون طيار.
ويبقى عجز القبة عن اعتراض الصواريخ التي أطلقتها “حماس” إبان عملية السابع من أكتوبر 2023 سؤالاً لم يجد إجابات شافية بعد، وإن بقيت القبة صامدة وخاضعة لعمليات التطوير والتحديث، جنباً إلى جنب مع حمى تشييد الأسوار لأسباب معلنة وأخرى خفية، معظمها يتعلق بإحكام السيطرة على دخول وخروج الفلسطينيين إلى إسرائيل، بما في ذلك حاملو تصاريح العمل، والتحكم في تحركاتهم ومنعهم تماماً من الدخول إن لزم الأمر.
في مصر، وأمام محاولات التسلل العديدة التي شهدها شمال سيناء وبعد مواجهات بين القوات المصرية من جهة، وفصائل وجماعات مسلحة داخل سيناء في أعقاب إسقاط حكم جماعة “الإخوان المسلمين” عام 2013، سارعت مصر ببناء جدار حدودي عازل على الحدود مع غزة عام 2020، لتعزيز أمنها على الحدود، “ومنع تسلل عناصر متطرفة من غزة إلى الأراضي المصرية”.
وعلى الجانب الآخر من العالم وقبل نحو عام، قالت كوريا الجنوبية إن جارتها الشمالية اللدود تبني أسواراً وتحفر طرقاً على جانبها في المنطقة منزوعة السلاح على طول الحدود بينهما. أعمال البناء التي رصدت جرت داخل أجزاء من المنطقة التي يبلغ عرضها كيلومترين بين الطرف الشمالي للمنطقة منزوعة السلاح وخط ترسيم الحدود العسكري، الذي يقسم شبه جزيرة كوريا.
77 سوراً
عدد الأسوار “المهمة” في العالم يبلغ اليوم نحو 77 سوراً. وتخطط 45 دولة لبناء سور أو أكثر لتحمي حدودها، أو تردع الأعداء، أو تتحكم في حركة الهجرة غير النظامية، أو تمنع دخول المهاجرين واللاجئين الهاربين من صراعات وحروب.
اللافت أن السور تحول إلى أيديولوجيا وفكر سياسي وجدل اقتصادي ونقاش اجتماعي. وبين مؤيدين للسور ومعارضين له، وبين متضمنين لبناء سور ضمن برامجهم الانتخابية يفوزون بسببه أو يخسرون، وبين مؤمنين بجدوى السور ومشككين فيه، وبين مسلِّمين بفوائده وميزاته ومنددين بأضراره وأخطاره، يدور العالم في فلك السور.
آلاف الكيلومترات من الأسوار ومليارات الدولارات من الكلفة وآلاف القوات للمراقبة، والأسئلة حول جدوى السور، أي سور، تبحث عن إجابات.
“العالم يشهد انتشاراً سريعاً للجدران الحدودية”. توصيف لما يجري حالياً، وعنوان لورقة بحثية نشرها “معهد سياسة الهجرة” الأميركي عام 2022. توقول الكاتبة إليزابيث فاليه إنه لم تسلم قارة من تعزيز وتحصين حدودها، وهو ما أصبح سمة مميزة لبداية القرن الـ21. ويوجد نحو 77 جداراً حدودياً حول العالم شيد معظمها خلال العقدين الماضيين، وكان ما لا يقل عن 15 جداراً آخر في مرحلة ما من التخطيط حتى كتابة هذه السطور. وصممت نسبة كبيرة من هذه الجدران وبخاصة الجديدة منها لمنع الهجرة غير الشرعية، وإن لم تثبت فعاليتها الكاملة في هذا الصدد، لكن الجدران يمكن أن تخلد أيضاً إرث الدفاعات في زمن الحرب وتساعد في وقف التهريب، وتسعى إلى منع الهجمات الإرهابية.
فكرة قديمة
تشير الورقة إلى أن فكرة الأسوار والحواجز بين الدول تعود إلى قرون مضت، إلا أن هذه الظاهرة اتخذت نطاقاً غير مسبوق في التاريخ الحديث. وكان هناك أقل من خمسة جدران حدودية عالمياً لدى انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأقل من 12 جداراً وقت سقوط سور برلين ونهاية الحرب الباردة، وهو ما بدا وكأنه إيذان بانتصار الديمقراطية والصراعات، وعلامة على زوال الحدود لمصلحة عصر من الرأسمالية والليبرالية المتوسعة. وكانت الحدود التي تُرى أحياناً على أنها مجرد خطوط فاصلة بين دولتين ذواتي سيادة، وأحياناً أخرى غير واضحة المعالم، أكثر مرونة ونفاذية مما هي عليه حالياً.
وتشير فاليه إلى أن التطور الإيجابي الذي شهده العالم في أعقاب انتهاء الحرب الباردة، في ما يتعلق بالأسوار والحواجز، لم يدم سوى عقد واحد فحسب، وحلم “العالم قرية صغيرة” تبدد هو الآخر، وعاد العالم مجدداً صوب ترسيم حدوده وفواصله وتشييد جدرانه وحواجزه. وخلال الأعوام التالية، أصبحت الحدود أكثر ترسيماً وصلابة وتحصيناً وتسليحاً، وتحولت إلى رموز تتمثل في أسوار تتحصن خلفها الدول لمواجهة تهديدات غير متكافئة وغير تقليدية، بما في ذلك التدفقات البشرية غير المرغوب فيها (الهجرة واللجوء).
جدوى منع المهاجرين
غالب المنظمات المعنية بالهجرة واللجوء والمدافعة عن حق البشر في التنقل وطلب الأمان –سواء الجسدي أو الاقتصادي- عبر الحدود، تتفق على أنه على رغم انتشار منظومة وأيديولوجيا السور في العالم، يواصل الملايين عبور الحدود واجتياز الأسوار، وهو ما يعني –بحسبهم- أن الأسوار والحواجز غير فعالة إلى حد ما.
ويمكن القول إن القانون الدولي يقف ملتبساً أمام أيديولوجيا السور. من جهة، يسمح قانوناً ببناء جدار يتطابق مع الحدود واستخدامه كآلية إدارية لمنع دخول غير المواطنين، وفي الوقت نفسه تعزز الأسوار وجهات النظر الأحادية الجانب التي تتبناها الدول، لا في ما يختص بأمنها وسلامتها ووحدة أراضيها فحسب، ولكن في ما يختص بالقوانين والعلاقات الدولية.

شوه السور الإسرائيلي معالم الضفة الغربية وعطل الحياة الاجتماعية والأنشطة الاقتصادية
في القانون الدولي لا توجد نصوص تمنع بناء الدول أسواراً وحواجز وقباباً على حدودها، شرط أن يتم ذلك بحسب قواعد ومن دون أن يلحق الضرر بآخرين، وهنا تتضح مرونة –وفي أقوال أخرى سيولة- النصوص، فما تعده دولة تقع خلف الجدار حماية، هو في عرف الدولة الواقعة أمام الجدار فصلاً وتمييزاً وضرراً.
ويطرح المعارضون لمنظومة السور وأيديولوجيته أسئلة تشكك في جدواها مثل، هل كلفة بناء السور توازي “المنافع” الناجمة عن منع اجتياز غير المرغوب فيهم؟ ما نسبة الحماية التي وفرتها أعلى الأسوار وأعتى القباب للدول التي شيدتها؟ وفي حال احتاجت الدولة والشعب المشيدان للأسوار اجتياز السور في الاتجاه المعاكس هرباً من كارثة طبيعية مثل فيضان أو زلزال أو بركان أو من صنع الإنسان مثل حرب أو صراع، هل سيستمر السور في الاحتفاظ بقيمته والمحافظة على مكانته؟
منظومة عتيقة بخرسانة جديدة
كانت الأسوار الفاصلة والحواجز الحامية حتى أعوام قليلة مضت منظومة عتيقة، يقتصر وجودها على كتب التاريخ ومراجع المكتبات الوطنية. والأحداث والحوادث السياسية والعسكرية والصراعية خلال الأعوام القليلة الماضية أعادت السور إلى الواجهة، وتخضع المنظومة العتيقة للتحديث عبر خرسانة جديدة وتقنيات حديثة في البناء والمراقبة، فأصبح السور حلاً للتوترات الجيوسياسية وعلاجاً لعدم الاستقرار وعلامة على نظام دولي غير متوازن، أو هكذا يبدو.
وتقول إليزابيث فاليه إن الجدران حالياً تتطور جنباً إلى جنب، وفي انعكاس للاتجاهات العالمية ترتبط بالحدود وسياساتها التي تهدف إلى وقف التدفقات البشرية مسبقاً. أعداد متزايدة من الدول تتجه إلى اعتناق أيديولوجيا السور لمواجهة ما تعده الأعراض الجانبية (وربما الأساس) السلبية للعولمة هجرة جماعية ولجوءاً، وتآكل سيادة الدولة الوطنية وعالماً واحداً وإنسانية واحدة، وغيرها كثير.
العالم عام 2025 لديه أسوار أكثر من أي وقت مضى، وأسوار العالم وحدوده وقبابه باتت أكثر عسكرة وتسليحاً مقارنة بكل ما فات من أزمنة.
أسوار العالم اليوم تحمي الامتيازات وتبقي على السلطة وتدعم الدولة الوطنية وتقي من الإرهاب، وفي قول آخر أسوار العالم اليوم تحمي الحقوق التي سُلبت، وتبقي على التمييز العنصري وتدعم حرمان الآخرين من حق النجاة والعمل والبحث عن حياة، وتقي أخطاراً متخيلة.







