حرية | الخميس 12 آذار 2026
نصف قرن من الدبلوماسية الهادئة في الشرق الأوسط
في منطقة اعتادت الانقسامات الحادة والصراعات العسكرية، حافظت سلطنة عُمان على نهج سياسي مختلف. فعلى مدى أكثر من خمسين عاماً، استطاعت مسقط أن تبني لنفسها موقعاً فريداً في السياسة الإقليمية، موقع الدولة التي تتحدث مع الجميع، حتى مع الأطراف المتخاصمة.
هذا النهج لم يكن مجرد خيار دبلوماسي عابر، بل أصبح جزءاً من هوية السياسة الخارجية العُمانية منذ سبعينيات القرن الماضي. فمنذ تولي السلطان الراحل قابوس بن سعيد آل سعيد الحكم عام 1970، بدأت السلطنة صياغة سياسة خارجية تقوم على الحياد الإيجابي، والانفتاح على جميع الأطراف، والابتعاد عن سياسة المحاور.
واليوم يواصل السلطان الحالي السلطان هيثم بن طارق آل سعيد هذا النهج في إدارة العلاقات الإقليمية والدولية.
فلسفة السياسة الخارجية العُمانية
السياسة الخارجية لسلطنة عُمان تقوم على ثلاث قواعد رئيسية شكلت أساس تحركاتها في الشرق الأوسط:
أولاً، الحياد في الصراعات الإقليمية. فمسقط تحاول دائماً تجنب الاصطفاف الكامل إلى جانب طرف ضد آخر، خصوصاً في النزاعات الكبرى بين القوى الإقليمية.
ثانياً، لعب دور الوسيط. فالسلطنة تفضل استخدام قنوات الحوار والوساطة لحل الأزمات، وهو ما منحها سمعة دبلوماسية عالية في المنطقة.
ثالثاً، حماية الأمن البحري والاقتصادي للبلاد، خصوصاً بسبب موقعها الاستراتيجي عند مدخل مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية.
هذه الفلسفة جعلت عُمان تُعرف في الدبلوماسية الدولية بأنها الدولة الأكثر هدوءاً وتأثيراً في الشرق الأوسط.
الوساطة العُمانية بين إيران والغرب
أحد أبرز أدوار مسقط في السياسة الدولية كان في الملف النووي الإيراني. ففي عام 2013 لعبت السلطنة دوراً محورياً في استضافة محادثات سرية بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي المحادثات التي مهدت لاحقاً للاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة.
هذه الوساطة اعتُبرت مثالاً على قدرة عُمان على التواصل مع أطراف لا تستطيع كثير من الدول التحدث معها في الوقت نفسه.
ففي حين كانت العلاقات بين واشنطن وطهران متوترة للغاية، نجحت مسقط في أن تكون قناة اتصال موثوقة بين الطرفين.
عُمان في أزمات الخليج
في أزمات الخليج المتكررة، اختارت السلطنة أيضاً سياسة التوازن، خلال الأزمة الخليجية عام 2017 بين دولة قطر وبعض دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حافظت مسقط على موقف محايد، ورفضت الانضمام إلى سياسة العزل السياسي كما حافظت على علاقات متوازنة مع جميع دول الخليج، وهو ما سمح لها بلعب دور هادئ في تقريب وجهات النظر.
الدور العُماني في الحرب اليمنية
في الحرب اليمنية، اختارت السلطنة مرة أخرى أن تكون طرفاً في الوساطة وليس في الصراع فعلى عكس بعض الدول الخليجية التي شاركت عسكرياً في الحرب، فضلت مسقط استضافة محادثات غير مباشرة بين الأطراف المتحاربة كما لعبت دوراً في تسهيل تبادل الأسرى وفتح قنوات الاتصال بين الأطراف المختلفة هذا الدور جعل عُمان واحدة من الدول القليلة القادرة على التواصل مع جميع الأطراف في الأزمة اليمنية.
لماذا تحافظ عُمان على علاقاتها مع إيران؟
العلاقة بين مسقط وطهران تعد من أكثر العلاقات استقراراً في الخليج.
هناك عدة أسباب لهذا التقارب:
أولاً، الجغرافيا فالدولتان تشتركان في الإشراف على مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ثانياً، التاريخ. فالعلاقات العُمانية الإيرانية تعود إلى عقود طويلة قبل الثورة الإيرانية عام 1979.
ثالثاً، المصالح المشتركة في أمن الملاحة والتجارة البحرية.
لهذا السبب حافظت عُمان على علاقات دبلوماسية مستقرة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية حتى في أوقات التوتر بينها وبين بقية دول الخليج.
موقع السلطنة في التصعيد الحالي
في ظل التصعيد العسكري المتزايد في الشرق الأوسط، تحاول مسقط مرة أخرى الحفاظ على موقعها كوسيط محتمل وتصريحات السلطان الأخيرة التي أكدت أن السلطنة ستتخذ كل الإجراءات للحفاظ على أمنها واستقرارها تحمل في الوقت نفسه رسالتين:
الأولى، أن عُمان لن تنجر إلى أي صراع إقليمي.
الثانية، أنها مستعدة لحماية أمنها ومصالحها الاستراتيجية إذا تعرضت للتهديد.
هذا التوازن بين الحياد والحزم هو أحد أسرار السياسة العُمانية.
هل يمكن أن تلعب عُمان دور الوسيط مرة أخرى؟
في حال توسع الصراع بين إيران وإسرائيل أو بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، قد تصبح عُمان مرة أخرى قناة اتصال غير مباشرة بين الأطراف المتصارعة.
فالدول التي تحافظ على علاقات مع جميع الأطراف تكون غالباً الأكثر قدرة على لعب دور الوسيط في الأزمات الكبرى.
ولهذا يرى كثير من المحللين أن مسقط قد تكون واحدة من العواصم القليلة القادرة على استضافة أي مفاوضات مستقبلية إذا قررت الأطراف البحث عن مخرج دبلوماسي للأزمة.
الخلاصة
خلال نصف قرن من الزمن، نجحت سلطنة عُمان في بناء نموذج دبلوماسي فريد في الشرق الأوسط، نموذج يقوم على الحياد، والحوار، والتوازن بين القوى المتنافسة.
وفي منطقة تمتلئ بالصراعات العسكرية والاستقطابات السياسية، تبقى مسقط واحدة من العواصم القليلة التي تحافظ على قنوات الاتصال مع الجميع.
ولهذا السبب يقال في الدبلوماسية الإقليمية إن عُمان ليست مجرد دولة صغيرة على خريطة الخليج، بل هي جسر سياسي بين العواصم المتخاصمة في الشرق الأوسط.








