وكالة حرية | الاربعاء 1 تشرين الاول 2025
أحمد الحمداني
ها نحن نُحيي الذكرى السادسة لـثورة تشرين لا كطقس سنوي عاطفي، بل كلحظة وعي مستمرة فجّرت فينا سؤالًا لم يعد بالإمكان تجاهله هل الدولة تسمع أبناءها؟
في تشرين 2019، خرج شباب العراق إلى الساحات بلا سلاح بلا قائد بلا أجندة كانوا يحملون فقط أملًا مكسورًا ووطنًا يُحتضر لم يطلبوا المعجزات بل الحد الأدنى من الحياة تعليم محترم، علاج مجاني، فرصة عمل، كرامة لا تُشترى ولا تُهان وكان الرد للأسف عنيفًا وداميًا مئات الشهداء، آلاف الجرحى، والمعتقلين و المغيبين لكن الأهم من كل ذلك ولادة وعيٍ سياسي جديد، وُلد من الألم، وما زال حيًّا رغم محاولات التعتيم والتشويه.
اليوم، قد لا نرى احتجاجًا كالذي عرفناه في تشرين، لكن هذا لا يعني أن الغضب قد مات. بل على العكس، هو ينضج… ويتحوّل.
ما لا يفهمه بعض الساسة أن الغضب الحقيقي لا يُقاس بعدد المتظاهرين، بل بعمق الخيبة.
ا”لدرس الذي لا يُفهم السلطة ليست أبدية”
في كتب التاريخ والسياسة، وفي الواقع الذي شهدناه بأعيننا، لم تكن الثورات وليدة الصدفة، بل نتيجة تراكمات طويلة من الظلم والفساد وتجاهل صوت الناس حين تُسدّ كل الأبواب، لا يعود أمام الشعوب سوى اقتحام جدار الصمت.
في تونس، لم يتخيل أحد أن شرارة أشعلها شاب بسيط اسمه محمد البوعزيزي، ستسقط نظامًا دام لأكثر من 23 عامًا كان صمته الأخير أقوى من كل خطابات بن علي.
في مصر، قال النظام “خليهم يتسلّوا”، فردّ الشارع في 18 يومًا فقط بإسقاط حكم استمر 30 عامًا.
في السودان، أسقطت الحركة الشعبية نظام البشير الذي حكم لعقود، رغم القمع والحصار.
في أوكرانيا (الثورة البرتقالية)، أطاحت الجماهير بنتائج انتخابات مزوّرة، وأجبرت السلطة على التراجع.
في لبنان، الجزائر، تشيلي، هونغ كونغ، إيران… أمثلة حديثة تؤكد أن تراكم الغضب لا يُقاس بالضجيج، بل بالسكوت الذي يسبق الانفجار.
“السياسي حين ينسى مَن أين جاء”
المشكلة الكبرى التي يعيشها العراق – وربما كثير من الدول المأزومة – أن السياسي، ما إن يجلس على كرسي الحكم، ينسى ما كان يراه ويسمعه في حياته الطبيعية. ينسى الحفر التي قفز فوقها، والصفوف التي وقف فيها، والشكوى التي كان يشاركها مع الآخرين.
الكرسي لا يغيّر الواقع… لكنه يكشف الأشخاص
ولذلك، فإننا بحاجة ماسة إلى إعادة تعريف الوظيفة العامة في العراق المنصب ليس غنيمة، بل مسؤولية الوظيفة الحكومية ليست “مالًا سايبًا”، بل أمانة تُحاسَب عليها من يُعيَّن وزيرًا، أو محافظًا، أو نائبًا، يجب أن يكون موظفًا عند الناس، لا عليهم هذا هو جوهر الدولة المدنية.
الشباب العراقي اليوم سواء من بقي، أو من هاجر ما زال يحمل في قلبه فكرة “الوطن الممكن”.عراق لا يشبه ما نراه اليوم من فساد وفوضى ومحاصصة عراق يمكن أن يكون أيقونة جديدة في المنطقة، لا بلدًا هامشيًا يستورد كل شيء ويُصدّر الهم.
لماذا لا نكون قوة اقتصادية؟ نحن بلد النفط والمياه والزراعة والموقع الاستراتيجي.
لماذا لا نكون مركزًا صناعيًا؟ لدينا اليد العاملة والموارد والخبرة.
لماذا لا نكون دولة قانون؟ بدستور واضح، وقضاء مستقل، وسياسيين يُحاسبون قبل أن يُنتخبوا.
لماذا لا نكون بلد ثقافة ورياضة؟ العراق أنجب السياب والجواهري وناظم الغزالي، وصعد كأس العالم… ثم أُطفئت كل الأضواء!
نعم، يمكن أن يكون العراق أيقونة اقتصادية وسياسية وثقافية وصناعية ورياضية جديدة… إذا فهم الساسة أن دورهم ليس إدارة الغنائم، بل بناء الدولة.
الشباب لا يريدون العودة إلى الشوارع. هم تعبوا من الملاحقات والتخوين والخذلان ما يريدونه الآن هو دولة تحترمهم تصغي إليهم، تجعلهم شركاء.
تشرين لم تكن آخر جولة، بل أول رسالة فإن لم تُقرأ جيدًا، فلن يبقى أمام الأجيال القادمة سوى خيارين الانفجار أو الهجرة.
فهل يسمع من بيده القرار… قبل أن يسمع صوت الشارع من جديد؟







