حرية | الجمعة 20 شباط 2026
د. هاني عاشور
يفكر الانسان العادي بالمستقبل عادة بما يخص طموحاته الشخصية او تلبية حاجاته الانسانية ، فلا يتعدى حدود الفكرة الشخصية وما يمكن ان يتحقق منها ، فيما تفكر الاحزاب عادة بمستقبلها السياسي وبقائها موحدة أو قدرتها على قيادة السلطة أو توسيع نفوذها لحين من الزمن لايتعدى سنوات او عقودا محدودة .
أما الأيدولوجيات الثابتة والواسعة التي تمتد لعقود طويلة فإنها ترسم مستقبلا لدولة كبرى ، او امتداد ايدلوجي يتوسع في دول او قارات تحت هيمنة سطوتها ، فيكون مستقبل الدولة يكمن في سرّ بقائها .
لكن التفكير بمستقبل الدولة لأي قيادة أو حكم أو نفوذ سياسي لا يمكن ان يكون الا من خلال حالة وعي تمتلكها السلطة التي تحكم الدولة وتتمسك بمشروعيتها السياسية كصانعة دولة وليس سلطة مؤقتة او مستحوذة ، فعملية الوعي السياسي والثقافي والاستراتيجي ، يتطلب شروطا وثوابت منها ان تكون دولة مؤسسات لا دولة أشخاص ، وان تتبنى وترعى وتطوّر مصادر القوة ، الاقتصاد ، الشرعية الدستورية والعدالة والوطنية ،و تحصين الجغرافيا الوطنية ، وتطوير المجتمع من خلال التعليم والابتكار وتقييم الجهد والوعي الثقافي , وتعزيز وترسيخ مبادئ العقد الاجتماعي الذي يربط المواطن بالدولة ، في ثوابت الحقوق مقابل الواجبات ، وايجاد الحلول المنطقية القانونية للأزمات البنيوية و الفساد، والطائفية، والتبعية.
من كل ذلك تبرز الخيارات امام نظام الحكم في اختيار نموذج دولته ، فهل هي دولة مدنية أم أيديولوجية؟ ، دولة مركزية أم لا مركزية؟ ، دولة ريعية أم إنتاجية؟ ، دولة محايدة أم منخرطة في محاور؟ .
إن الاجابة عن هذه الاسئلة ، هو الذي يحدد شكل الدولة ويرسم مستقبلها ويصنع مبادئ الوعي عند المواطن لكي يتمسك بهذه المبادئ وينطلق منها في صناعة مستقبله وفهم خياراته ودوره وسط هذا العالم المتشابك بالصراعات والمتسابق للحروب والهيمنة .
غالبا ما تتبنى حكومات الدول انصاف هذه الحلول دون التمكن من ايجادها كاملة ووفق القدرة التي يتمتع بها الحكام ، فغالبا ما تلجأ الحكومات ديمقراطية كانت أو شمولية الى إصلاحات محدودة دون تغيير بنيوي، وتظن انها قد قفزت خطوات نحو المستقبل ، وربما تلجأ الى هذه الحلول المنقوصة تخلصا أو هروبا من أزمات قد تؤدي بها الى الانهيار ، غير ان ما تقوم به هذه الحكومات في الحلول المنقوصة انما هو اعتراف بالهزيمة ، ومحاولة تأجيل تلك الهزيمة والانكسار ، وبذلك تقوم مثل تلك الحكومات بقتل المستقبل بالتقسيط ، حتى تحين النهاية .
ان على حكومة أي دولة تريد ضمان المستقبل ان تدرك موقعها من النظام الدولي وكيف يمكن أخذ حيز اكبر فيه ، بالانطلاق من اتباع سياسة متوازنة وعدم الوقوع في التبعية ، والافادة من التحولات العالمية في قطاعات التقدم في مجالات الطاقة، والتكنولوجيا، والاقتصاد ، والتحرك في المنظمات الدولية المؤثرة ، والتفاهم مع المحيط الاقليمي والدولي ، وكل ذلك يتطلب الانتقال من منطق الشعارات إلى تحديد الخيارات وأسبقياتها ، واطلاق عملية التغيير لا الخوف منه ، لكي يكون بداية لرؤية مستقبل الدولة ومن خلال الدولة نفسها ، ومن ذلك تكون الدولة محكومة بالتخطيط لا بالاتباع أو مواجهة الازمات واحدة بعد أخرى ، والشعور بأن عبور كل ازمة هو انتصار للبقاء ، فيما الامر عكس ذلك تماما ، حيث ان مسلسل الازمات المتلاحقة يمنع فرصة النهوض ويعيد الدولة الى الوراء ويجعل صورة المستقبل معتمة.







