بقلم: أحمد الحمداني – وكالة حرية – 26 حزيران 2025
في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، وتحوّلت بعض الشعارات إلى سيوفٍ موجهة نحو الدولة بدل أن تكون دروعًا لها، نحتاج اليوم أن نُعيد التأكيد على حقيقة بديهية:
لا حرية تعلو فوق أمن الدولة.
ولا صوت يجب أن يكون أعلى من صوت العراق، حين يتعلق الأمر بسيادته، واستقراره، ومستقبل شعبه.
لطالما كنت – بوصفي مستشارًا سابقًا في خلية الإعلام الأمني – أؤمن وأؤكد أن الحرية ليست مطلقة، ولا يمكن أن تُتّخذ ذريعة للاعتداء على الآخرين أو تهديد أمن الوطن.
فالحرية التي تنتهي عند حدود الفرد، فكيف إذا تجاوزت حدود الوطن نفسه؟
كيف بها إذا أصبحت سلاحًا بيد المغرضين؟ أو عباءة للفوضى؟ أو غطاءً للتحريض، والانقسام، والتسقيط السياسي؟
بين الحبر والدم… كرامة الوطن أولًا
لسنا ممن يكتب ليسكت الأقلام، ولسنا من يدعو لتكميم الأفواه.
نريدها حرية مسؤولة… شجاعة… وطنية.
• حرية تصون الحقيقة، لا تضلل الناس.
• حرية تدافع عن الوطن، لا تُفرّط به باسم “الرأي الآخر”.
• حرية تحمي الأعراض، لا تمارس الابتزاز خلف الشاشات.
• حرية تُبنى بالعقل، لا تُهدم بالحقد.
إن أمن العراق هو الأمانة العليا التي تقع على عاتق الجميع:
حكومةً وشعبًا، مؤسساتٍ وأفرادًا، أمنيين وصحفيين، ناشطين ومواطنين.
فالدم الذي يُراق حين تنكسر الدولة لا يسأل عن عنوان الجريدة، ولا عن عدد المتابعين… بل يسأل:
“أين كنتم؟ ومن أشعل النار؟”
حرية الدولة لا تعني فوضى المجتمع
بعض من يرفع راية الحرية اليوم، ينسى أو يتناسى أن الدولة لا تُبنى بالحناجر فقط، بل تُبنى بالدماء، بالقانون، وبالحدود الحمراء.
من أراد أن يتكلم، فليتكلم بلغة حب العراق، لا بلغة المتربصين به.
ومن أراد أن يعارض، فليعارض ضمن الإطار الدستوري، لا من على منابر خارجة تُغذّي الكراهية، وتُشعل نار الطائفية، وتفتح أبوابًا لمخططات خارجية مشبوهة.
الوطن ليس لعبة إعلامية ولا ساحة خصومات شخصية
لقد أصبح من الواضح أن البعض يشتري قنوات وإذاعات ووكالات إعلامية، لا من أجل مهنة الصحافة، بل من أجل نشر الكراهية والتحريض والانقسام.
يتحدث البعض عن العراق وكأنّه ساحة لتصفية الحسابات أو مسرحًا للخصومات بين الشخصيات، متناسين أن الوطن ليس لعبة… ولا ملكًا لأحد.
العراق أكبر من الجميع.
صدقوني أيها الإخوة، العراق ليس ملك حزب، ولا تيار، ولا شخصية… العراق وطنٌ للجميع، ومن الجميع، وفيه أفضل نظام ديمقراطي في المنطقة.
كل من أراد أن يشارك، شارك حرية تأسيس الأحزاب مكفولة، حرية الترشح والانتخاب متاحة، والجميع شيعة – سنة – اكراد – تركمان – مسيحين – إيزيدية والخ.. يشاركون في التشريع والتنفيذ.
لكن الحرية لا تعني أن يتجاوز أحد حدود الوطن.
من حقك أن تعارض، لكن ليس من حقك أن تمزّق الدولة.
من حقك أن تعبر، لكن ليس من حقك أن تفرّغ المؤسسات من هيبتها.
دعوة إلى الضمير الوطني
هذا المقال ليس دفاعًا عن شخص أو جهة، بل دفاع عن مفهوم الدولة، عن حق الأجيال القادمة في عراق مستقر، موحّد، آمن.
إننا نعيش لحظة مفصلية تتطلب أن نكون على قدر المسؤولية الوطنية والإعلامية معًا.
فلنحترم حرية الرأي، نعم…
لكن لنُقدّس أمن العراق فوق كل رأي.
لنكتب، نعم…
لكن لنحفظ الوطن بكلماتنا، كما نحفظه بدماء رجاله.
أمن العراق ليس ملفًا… بل مصير
من يفرّط اليوم بأمن العراق بحجّة الحرية، لا يختلف كثيرًا عن من يُفرّط بمائه، وكهربائه، ونفطه، وسيادته.
أمن العراق ليس شعارًا نردده وقت الحاجة… بل مصيرٌ نعيشه ونموت دونه.
دعونا نُعيد ضبط البوصلة:
العراق أولًا
الأمن أولًا
السيادة أولًا
ثم تأتي الحريات… لكنها حريات تُحصّن الوطن لا تهدمه.







