حرية | الاثنين 9 آذار 2026
كان المطر ينهمر على نوافذ الغرفة كأنه يحاول أن يغسل شيئاً ثقيلاً في الهواء الريح تعبر الأزقة الضيقة بين المباني القديمة، تصفر كأنها تحمل رسائل لا يريد أحد أن يسمعها في تلك اللحظة كان الهدوء يبدو غريباً… هدوء يترقب شيئاً.
نسمع في السماء صوتاً يشبه الرعد
لا… ليس غضب السماء
ولا هو صوت السجيل كما كانت جدتي تحكي في قصص الطفولة
إنه صوت طائرة…
وهنا صوت صاروخ…
فجأة انقلب الهدوء إلى ضجيج
صوت قصف بعيد يتردد بين الجبال، وصراخ أطفال يتسرب من شرفة منزل قريب المدينة التي كانت قبل دقائق تغفو تحت المطر، استيقظت مذعورة.
رنّ هاتفي
كان صديقاً من بغداد
قال ضاحكاً بصوت متعب: لدينا حفلة الليلة ليلة سلطنه
قلت له: حفلة شنو؟
قال: قصف… حرب… نفس الحفلة كل مرة
سكتنا لحظة لم يكن في الكلام ما يقال
فالحرب في بلادنا لا تأتي كخبر عاجل، بل كضيف ثقيل يعرف الطريق جيداً
أغلقت الهاتف ونظرت إلى السماء
قلت في نفسي: أي حياة هذه؟
لماذا يقرر الآخرون عني؟
لماذا يصبح مستقبلي قراراً في غرفة لا أعرفها؟
أين صوت العصافير التي كنت أحلم بها؟
أين النهر الذي رسمته في دفتر الرسم عندما كنت طالباً صغيراً؟
أين النخلة التي قالوا إنها رمز العراق؟
وأين الوطن… من القائد؟
كانت هذه الأسئلة تمشي في رأسي مثل جنود تائهين
في الشارع المقابل، رأيت طفلاً يقف تحت المطر لم يكن خائفاً كما توقعت كان يرفع رأسه إلى السماء كأنه يبحث عن شيء بين الغيوم اقتربت منه وسألته: ماذا تنظر؟
قال بهدوء: أبحث عن الطائرة التي تصنع هذا الصوت
قلت له: ولماذا؟
فكر قليلاً ثم قال: أريد أن أعرف من الذي يقرر أن نخاف
لم أجد جواباً في تلك اللحظة تذكرت كلام أستاذ التاريخ في المدرسة عندما قال لنا يوماً: “الحروب لا تبدأ عندما تسقط القنابل… بل عندما يفقد الناس القدرة على الحلم.”
عدت إلى غرفتي
المطر ما زال ينزل
لكن بين صوت الريح وصدى الانفجارات البعيدة، سمعت شيئاً صغيراً… خافتاً
صوت عصفور
ربما كان مختبئاً تحت السقف
أو ربما كان مجرد وهم
لكنني أدركت شيئاً في تلك اللحظة: أن المدن لا تموت بالقصف…بل تموت عندما يصدق أهلها أن لا صباح بعد هذه الليلة
وفي العراق، رغم صوت الحرب، كنت متأكداً أن العصافير ستعود يوماً
فحتى في أكثر الليالي ظلمة…هناك دائماً فجر ينتظر دوره







