بقلم: أحمد الحمداني
17/6/2025
في عالم متوتر ومتشابك كعالمنا اليوم من الصعب فصل السياسة عن الدين، أو الأمن عن العقيدة لكن ماذا لو بلغ التصعيد ذروته؟ ماذا لو قرر رئيس وزراء إسرائيل اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، سماحة آية الله علي خامنئي؟ هل نبالغ إذا قلنا إن مثل هذا الاغتيال سيكون نقطة اللاعودة في صراع الشرق الأوسط؟
هذا ليس مجرد سيناريو خيالي أو رجم بالغيب، بل احتمال يجول في خلد كثيرين في ظل سياسات إسرائيل العدوانية وخطابها المتكرر.
فهل تدرك تل أبيب ماذا يعني اغتيال شخصية دينية وسياسية بحجم خامنئي؟ الرجل الذي لا يمثل فقط قمة هرم السلطة في إيران، بل هو رمز عقائدي لجماهير واسعة من الشيعة في إيران وخارجها، من لبنان واليمن إلى باكستان وأفغانستان.
حين نتحدث عن احتمال إقدام إسرائيل على اغتيال شخصية بحجم خامنئي، فإننا لا نتحدث عن خيال جامح، بل عن كيان له تاريخ ممتد من الاغتيالات والإرهاب الممنهج. فمنذ نشأته، اتبع الكيان الصهيوني سياسة الاغتيالات السياسية كوسيلة أساسية لتصفية الخصوم وقد اغتال قادة فلسطينيين بارزين مثل خليل الوزير (أبو جهاد)، وصلاح خلف (أبو إياد)، وفتحي الشقاقي، فضلًا عن عشرات العمليات السرية التي طالت شخصيات عربية وإسلامية في أوروبا والعالم العربي.
كما ارتكبت إسرائيل عشرات المجازر بحق المدنيين، من مجزرة دير ياسين عام 1948، إلى مجازر قانا 1996 و2006 في لبنان، ومجازر جنين وغزة المتكررة، راح ضحيتها آلاف الشهداء من النساء والأطفال وتقف خلف هذه الجرائم آلة إعلامية صهيونية مدعومة بمليارات الدولارات من خلال اللوبيات اليهودية النافذة، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، التي تموّل السياسات الإسرائيلية وتضغط على الحكومات الغربية لحمايتها من أي محاسبة دولية.
أما في مجال حرية الصحافة، فإسرائيل تُصنّف ضمن أكثر الدول قمعًا للعمل الصحفي في مناطق النزاع فمنذ عام 2000، قتلت قوات الاحتلال أكثر من 55 صحفيًا فلسطينيًا، بينهم شيرين أبو عاقلة، التي قُتلت برصاص قناص إسرائيلي رغم ارتدائها الزي الصحفي.
كما سجنت إسرائيل عشرات الصحفيين، وفرضت قيودًا غير مسبوقة على التغطية الميدانية، ما دفع منظمات مثل “مراسلون بلا حدود” و”لجنة حماية الصحفيين” إلى تصنيفها كدولة منتهِكة لحرية الإعلام.
ومن الأمثلة على الإرهاب الإسرائيلي، استخدام المفخخات والعمليات السرية داخل العاصمة الإيرانية نفسها. خلال السنوات الماضية، تم تسجيل تفجيرات واغتيالات استهدفت علماء نوويين بارزين مثل محسن فخري زاده، بوسائل معقدة تتراوح بين طائرات مسيّرة وعبوات ناسفة وسيارات مفخخة. هذه ليست مجرد عمليات استخباراتية، بل إرهاب صريح يهدف إلى بث الفوضى من قلب طهران، وتقويض الاستقرار الداخلي الإيراني.
ولو أن هذه العمليات لم تستهدف السيد الخامنئي، فإن مجرد التفكير في ذلك سيكون بمنزلة إعلان حرب إقليمية شاملة أي محاولة للمساس بالمرشد الأعلى لن تظل محدودة جغرافيًا، بل ستُفجّر المنطقة كلها.
إذا عدنا إلى سجل إسرائيل الميداني، نجد سلسلة طويلة من الإخفاقات وسوء التقديرغزت لبنان عام 1982 بهدف القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية، لكنها خرجت لتواجه ولادة مقاومة أقوى باسم حزب الله شنت حروبًا على غزة، فأنجبت كيانات مقاومة أكثر تنظيمًا وتطورًا وحتى في الاغتيالات، لم تحقق إسرائيل ما كانت ترجوه، بل كثيرًا ما فجّرت ردودًا عكسية جعلت أمنها أكثر هشاشة.
وليس خافيًا أن الحقد الصهيوني على العرب والمسلمين ليس وليد اليوم، بل هو مبدأ مؤسس إسرائيل لا تميز بين شيعي وسني، ولا بين عربي وفارسي، بل ترى في الجميع تهديدًا يجب تصفيته ومن فلسطين إلى لبنان وسوريا والعراق وإيران، تؤمن بأن بقائها مرتبط بإضعاف كل من حولها، ولو عبر الفتن والدماء والاغتيالات.
وتتجلى مظاهر هذا الحقد في جرائم الحرب اليومية في غزة والضفة، وفي تهويد القدس، وفي استهداف الرموز الدينية والقيادية في أكثر من دولة، دون اعتبار للحدود أو القانون الدولي.
ومن اللافت في هذا السياق المفارقة الصارخة بين تغطية الأحداث في إسرائيل وإيران ففي إسرائيل، تُفرض رقابة عسكرية صارمة على الإعلام، وتُمنع التغطيات المباشرة للأحداث العسكرية أو الأمنية الصورة هناك تخضع لمقصّ الجيش قبل أن تصل إلى أي شاشة أما في إيران، فتُبث التغطيات السياسية والأمنية وحتى العسكرية بشكل مباشر، ويُتاح للصحفيين مساحة أوسع للعمل، ما يمنح الجمهور صورة أقرب إلى الواقع – وإن كانت محكومة أيضًا برواية الدولة.
هذه الفجوة بين “رقابة الاحتلال” و”شفافية العدو” تفضح ازدواجية الخطاب الإسرائيلي، الذي يدّعي الديمقراطية، بينما يمارس الديكتاتورية الإعلامية الكاملة حينما يتعلق الأمر بجرائمه.
وفي المقابل، تبرز جهود بعض الدول العربية كجمهورية مصر العربية، التي لا تزال تتمسك بالمبادرات السلمية، وعلى رأسها المبادرة المصرية لحل الدولتين هذه المبادرة تدعو إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، كسبيل لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي. ورغم الدعم الدولي لهذه المبادرة، تواصل إسرائيل تعنّتها، وتردّ على الدعوات السلمية بالاستيطان والاغتيالات.
ولا بد من الإشارة إلى أن العراق – رغم قربه الجغرافي والديني من إيران – يتخذ موقفًا متزنًا داعمًا للتهدئة فقد حرصت بغداد على لعب دور الوسيط بين الأطراف المتنازعة، ورفضت الانجرار إلى أية مغامرة عسكرية أو اصطفاف قد يجرّ المنطقة إلى فوضى أوسع العراق اليوم يسعى لترسيخ منطق الدولة والمؤسسات، وليس منطق المحاور والانفجارات العمياء.
خط أحمر لا يُمس
على صناع القرار في تل أبيب أن يعوا أن اللعب بالنار هذه المرة مختلف اغتيال خامنئي لن يكون كأي عملية اغتيال سابقة ولن يمر كسيناريو استخباري عابر بل سيكون شرارة حرب دينية إقليمية كبرى قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بالنار والدم وتُغلق باب الحوار إلى الأبد.







