هل يتحول العراق إلى ساحة محاكمات إقليمية للتنظيم؟
بغداد – الاثنين 23 شباط 2026 – خاص – أعداد القسم السياسي
عاد ملف معتقلي تنظيم داعش المرحّلين من شمال شرق سوريا إلى الواجهة، بعد إعلان بغداد تسلّم دفعات من الموقوفين ونقلهم إلى الأراضي العراقية بالتنسيق مع جهات دولية، في تطور يضع الدولة أمام اختبار أمني وقانوني معقد فبينما تؤكد الحكومة أن الإجراءات تتم وفق السيادة الوطنية والقانون العراقي، يبرز سؤال جوهري هل يتحمل العراق عبء محاكمة آلاف المشتبه بانتمائهم للتنظيم، أم أن المسؤولية يجب أن تكون مشتركة مع دولهم الأصلية؟
الملف لا يقتصر على نقل أفراد عبر الحدود، بل يمتد إلى قضايا السيادة، والالتزامات الدولية، وحقوق الإنسان، والتوازنات الأمنية، في سياق إقليمي لا يزال هشاً بعد سنوات من الحرب على التنظيم.
خلفية الملف… من ساحات القتال إلى السجون
بعد انهيار ما كان يُعرف بـ”دولة الخلافة” عام 2019، احتُجز آلاف المقاتلين وعائلاتهم في مخيمات وسجون شمال شرق سوريا، بإدارة قوات محلية وبدعم دولي تقديرات أممية سابقة أشارت إلى وجود ما بين 10 إلى 12 ألف مقاتل أجنبي وسوري، إضافة إلى عشرات الآلاف من النساء والأطفال المرتبطين بهم في مخيمات مثل الهول وروج.
مع تراجع الاستقرار في تلك المناطق، برزت مخاوف من انهيار منظومة الاحتجاز أو هروب جماعي، ما دفع بعض الدول إلى استعادة رعاياها تدريجياً، بينما ظل العراق من أكثر الدول المعنية بحكم أن نسبة كبيرة من المحتجزين يحملون الجنسية العراقية.
لماذا يُنقل المعتقلون إلى العراق الآن؟
التطورات الأخيرة تشير إلى تنسيق بين بغداد وواشنطن وجهات أخرى لنقل بعض المعتقلين إلى العراق لمحاكمتهم وفق القوانين الوطنية، خصوصاً بعد تراجع قدرة الجهات المحلية في سوريا على إدارة الملف بمفردها.
الخطوة تُقرأ من زاويتين:
زاوية السيادة: العراق يؤكد أن محاكمة مواطنيه حق سيادي، وأن محاسبة عناصر التنظيم يجب أن تتم داخل منظومته القضائية.
زاوية العبء: نقل المعتقلين يعني تحمل كلفة أمنية وقانونية ولوجستية إضافية، في ظل وجود آلاف السجناء أصلاً داخل العراق.
الإطار القانوني… ما الذي يستند إليه العراق؟
القانون العراقي يتيح محاكمة المتهمين بالانتماء إلى تنظيمات إرهابية وفق قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005، الذي يفرض عقوبات تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد في حال ثبوت الانتماء أو المشاركة في أعمال إرهابية.
غير أن التحدي القانوني لا يقتصر على نص القانون، بل يمتد إلى:
ضمان معايير المحاكمة العادلة – إثبات الأدلة القادمة من ساحات قتال خارج الحدود – التعامل مع حالات مزدوجي الجنسية – التفريق بين المقاتلين الفعليين والنساء أو القاصرين.
كما أن هناك نقاشاً دولياً مستمراً حول ضرورة إنشاء آلية قضائية دولية خاصة بجرائم داعش، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، ما يترك العبء على الدول المعنية.
التحدي الأمني… سجون مزدحمة ومخاطر كامنة
العراق سبق أن خاض معركة طويلة ضد التنظيم، واعتقل الآلاف من عناصره خلال العمليات العسكرية وبعدها. إضافة دفعات جديدة من المعتقلين تعني:
ضغطاً إضافياً على مراكز الاحتجاز – زيادة الحاجة إلى كوادر أمنية مدربة – مخاطر تطرف داخل السجون – تحديات إعادة التأهيل لمن لم تثبت إدانتهم المباشرة بأعمال عنف.
تجارب سابقة أظهرت أن السجون قد تتحول إلى بيئة خصبة لإعادة التنظيم إذا لم تُدار بآليات رقابة وإصلاح دقيقة.
البعد الدولي… من يتحمل المسؤولية؟
أحد أكثر الجوانب حساسية في الملف هو مسألة المقاتلين الأجانب. العراق يطالب الدول التي يحمل بعض المعتقلين جنسياتها باستعادتهم ومحاكمتهم داخل بلدانهم، غير أن عدداً من الدول الأوروبية والآسيوية لا يزال متردداً في استقبال رعاياه لأسباب سياسية وأمنية داخلية.
في المقابل، ترى بعض الجهات الدولية أن إبقاء المعتقلين في سوريا أو نقلهم إلى العراق دون دعم كافٍ يضع عبئاً غير متوازن على دولتين خرجتا حديثاً من حرب مدمرة.
السؤال المطروح: هل يتحول العراق إلى ساحة محاكمات إقليمية بحكم الأمر الواقع؟
النساء والأطفال… الحلقة الأكثر تعقيداً
لا يقتصر الملف على مقاتلين، بل يشمل نساءً وأطفالاً بعضهم ولد داخل مناطق سيطرة التنظيم. التعامل مع هذه الفئة يتطلب مقاربة مختلفة:
برامج إعادة تأهيل نفسي واجتماعي – تدقيق أمني دقيق – تنسيق مع وزارات العمل والصحة والتربية.
إهمال هذا الجانب قد يخلق جيلاً جديداً عرضة للتطرف، وهو ما تحذر منه تقارير دولية الكلفة المالية والإدارية.
محاكمة المئات أو الآلاف من المعتقلين تتطلب:
قضاة وادعاء عام متخصصين
تأمين مترجمين وخبراء أدلة
موازنات لإدارة السجون
برامج إصلاح وتأهيل
في ظل ضغوط اقتصادية تعيشها البلاد، يصبح التمويل أحد التحديات غير المعلنة في إدارة الملف.
بين السيادة والتوازن
العراق أمام معادلة دقيقة من جهة، يريد تأكيد سيادته في محاسبة مواطنيه وعدم ترك ملفهم رهينة خارج حدوده، ومن جهة أخرى، لا يرغب في أن يتحول إلى حارس دائم لمعتقلين أجانب لا تبدي دولهم استعداداً لاستعادتهم.
القرار لا يتعلق فقط بالأمن، بل بصورة الدولة. هل تظهر كدولة قادرة على إدارة أخطر الملفات وفق القانون، أم كدولة تتحمل عبئاً دولياً دون دعم كافٍ؟
قراءة تحليلية… اختبار دولة ما بعد الحرب
ملف معتقلي داعش المرحّلين من سوريا ليس مجرد قضية قضائية، بل اختبار لمرحلة ما بعد الحرب. نجاح العراق في إدارة هذا الملف يعني:
تثبيت مؤسسات العدالة
منع عودة التنظيم بأشكال جديدة
تعزيز صورته كشريك دولي مسؤول
أما التعثر، فقد يفتح ثغرات أمنية ويخلق توترات سياسية داخلية وخارجية.
بين عبء السيادة وتعقيدات القانون الدولي، يجد العراق نفسه أمام واحد من أعقد الملفات الأمنية في المنطقة محاكمة عناصر التنظيم حق سيادي، لكنها مسؤولية ثقيلة تحتاج إلى دعم دولي حقيقي وتخطيط مؤسسي دقيق.
السؤال لم يعد هل يُنقل المعتقلون إلى العراق، بل كيف تُدار العملية، وبأي ضمانات قانونية وأمنية، حتى لا يتحول عبء الأمس إلى أزمة الغد.







