حرية | تقرير تحليلي | 6 آذار 2026 – إعداد: قسم التحليل السياسي والأمني – مركز حرية الاستشاري الإعلامي
الدين والجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط
من الصراع الإبراهيمي إلى الانقسام السني الشيعي وتأثيره على توازنات المنطقة
في الشرق الأوسط لا يمكن قراءة السياسة بمعزل عن الدين هنا لا تُرسم خرائط النفوذ فقط بالقواعد العسكرية والاتفاقيات الدولية، بل تُرسم أيضاً بالكتب المقدسة والتفسيرات اللاهوتية والذاكرة التاريخية الممتدة لقرون.
من القدس إلى واشنطن، ومن قم إلى النجف، ومن مكة إلى إسطنبول، تتحرك العقائد أحياناً كقوة خفية تشكل التحالفات وتحدد الخصومات وفي كثير من الأحيان يبدو الشرق الأوسط وكأنه مسرح تتقاطع فيه ثلاثة أديان كبرى داخل لعبة سياسية عالمية لا تنتهي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة:
هل الحروب في الشرق الأوسط حروب مصالح أم حروب عقائد؟
الجواب الأكثر واقعية ربما يكون: إنها الاثنتان معاً.
أولاً: الجذور الإبراهيمية… صراع داخل العائلة الدينية
اليهودية والمسيحية والإسلام تنتمي جميعها إلى ما يعرف بالديانات الإبراهيمية جميعها تعترف بإبراهيم نبياً، وجميعها تتقاطع في الكثير من النصوص والقصص الدينية.
لكن هذه القرابة لم تمنع الصراع، بل ربما جعلته أكثر تعقيداً.
اليهودية والمسيحية دخلتا عبر التاريخ في صراع لاهوتي طويل منذ ظهور المسيحية في القرن الأول الميلادي. الكنيسة الأوروبية لقرون طويلة نظرت إلى اليهود باعتبارهم مسؤولين عن صلب المسيح، وهو ما أدى إلى موجات اضطهاد واسعة في أوروبا.
لكن القرن العشرين قلب هذه المعادلة. فبعد المحرقة النازية ظهرت محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين اليهودية والمسيحية، خصوصاً في الولايات المتحدة.
وهنا بدأت مرحلة جديدة:
تحالف ديني – سياسي بين قطاعات من المسيحية الغربية والحركة الصهيونية.
ثانياً: التحالف الأميركي الإسرائيلي… الدين والسياسة في جبهة واحدة
التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل غالباً ما يُفسَّر باعتبارات استراتيجية وعسكرية لكن خلف هذا التحالف يوجد أيضاً عامل ديني مهم داخل المجتمع الأميركي.
جزء كبير من التيار المسيحي الإنجيلي في الولايات المتحدة يؤمن بأن قيام دولة إسرائيل ليس مجرد حدث سياسي، بل تحقيق لنبوءات توراتية.
هذا التيار يرى أن عودة اليهود إلى فلسطين جزء من مسار ديني يرتبط بنهاية التاريخ الديني وبعودة المسيح.
لهذا السبب لا ينظر بعض الأميركيين إلى إسرائيل كدولة حليفة فقط، بل كجزء من سردية دينية كبرى.
وهنا يتحول الدين من عقيدة روحية إلى عنصر مؤثر في السياسة الدولية.
ثالثاً: برنارد لويس… هل الصراع حضاري أم سياسي؟
المؤرخ البريطاني الأميركي برنارد لويس كان من أبرز من حاول تفسير العلاقة المتوترة بين العالم الإسلامي والغرب.
لويس تحدث عن ما وصفه بـ “الغضب الإسلامي”، معتبراً أن جزءاً من التوتر يعود إلى شعور تاريخي لدى بعض المجتمعات الإسلامية بأن الغرب تفوق عليها سياسياً وعسكرياً منذ القرن التاسع عشر.
هذا الطرح فتح الباب لاحقاً أمام نظريات مثل “صدام الحضارات” التي رأت أن الصراع العالمي قد يأخذ طابعاً حضارياً بين الإسلام والغرب.
لكن هذا التفسير أثار جدلاً كبيراً.
فكثير من الباحثين اعتبروا أن الحديث عن صراع حضاري يتجاهل حقيقة أن الصراعات الحديثة غالباً ما تقودها المصالح السياسية والاقتصادية وليس العقائد الدينية وحدها.
رابعاً: الانقسام السني الشيعي… الصراع داخل البيت الإسلامي
إذا كان الغرب يتحدث عن صراع حضاري مع الإسلام، فإن الواقع في الشرق الأوسط يكشف عن صراع آخر داخل العالم الإسلامي نفسه.
الانقسام السني الشيعي الذي بدأ بعد وفاة النبي محمد (ص) حول مسألة القيادة السياسية، تحول مع مرور الزمن إلى انقسام مذهبي واسع.
السنة اعتبروا أن القيادة يمكن أن تكون عبر الشورى.
الشيعة رأوا أن الإمامة يجب أن تبقى في نسل الإمام علي.
لكن المفارقة أن هذا الخلاف التاريخي تحول في العصر الحديث إلى عنصر في الصراعات الجيوسياسية.
ففي بعض مناطق الشرق الأوسط أصبحت الهوية المذهبية مرتبطة بالتحالفات السياسية الإقليمية.
ومع ذلك، فإن الواقع أكثر تعقيداً من هذا التبسيط. فالدول لا تتحرك فقط وفق الانتماء المذهبي، بل وفق مصالحها الاستراتيجية.
خامساً: الانقسام داخل الشيعة أنفسهم… قم والنجف
حتى داخل العالم الشيعي لا يوجد موقف موحد.
هناك مدرستان فكريتان أساسيتان:
مدرسة النجف في العراق التي تميل تاريخياً إلى فصل المرجعية الدينية عن السلطة السياسية المباشرة.
ومدرسة قم في إيران التي تبنت نظرية ولاية الفقيه والتي ترى أن الفقيه يمكن أن يقود الدولة سياسياً.
هذا الاختلاف يعكس صراعاً فكرياً داخل التشيع نفسه حول سؤال كبير:
هل يجب أن يحكم الفقيه أم أن دوره يظل دينياً فقط؟
سادساً: الأمة والحدود… أزمة الهوية السياسية في العالم الإسلامي
جزء من التعقيد في الشرق الأوسط يعود إلى التناقض بين مفهومين:
مفهوم الأمة الإسلامية الذي يتجاوز الحدود.
ومفهوم الدولة الوطنية الذي يقوم على الحدود والسيادة.
الحدود الحالية في الشرق الأوسط ظهرت في الغالب بعد سقوط الدولة العثمانية وتقسيم المنطقة وفق اتفاقيات دولية لكن فكرة الأمة الإسلامية بقيت حاضرة في الوعي الديني والثقافي وهذا التناقض بين الهوية الدينية العابرة للحدود والنظام الدولي القائم على الدول القومية يخلق توتراً دائماً في الفكر السياسي الإسلامي.
سابعاً: العراق… مختبر التعددية الدينية
العراق ربما يكون أكثر الدول التي تعكس هذا التعقيد فهو ليس مجرد دولة، بل فسيفساء دينية ومذهبية وقومية في العراق يعيش السنة والشيعة، إضافة إلى المسيحيين والصابئة واليزيديين، كما يضم العرب والكرد والتركمان هذه التعددية جعلت العراق عبر التاريخ مركزاً حضارياً غنياً، لكنها في الوقت نفسه جعلته ساحة حساسة لأي صراع ديني أو مذهبي في المنطقة ولهذا فإن استقرار العراق لا يعتمد فقط على السياسة، بل على قدرة الدولة على إدارة هذا التنوع دون أن يتحول إلى صراع.
الخلاصة: الدين أم السياسة؟
الشرق الأوسط ليس مسرح حرب دينية خالصة كما يعتقد البعض، لكنه أيضاً ليس منطقة خالية من تأثير الدين في السياسة.
الحقيقة أن الدين في هذه المنطقة يشبه الوقود الكامن تحت الأرض.
قد لا يكون هو السبب المباشر للحرب، لكنه قادر على إشعالها عندما تتقاطع معه المصالح السياسية والصراعات الجيوسياسية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:
هل يقود الدين حروب الشرق الأوسط؟
بل ربما السؤال الأهم هو:
من يستخدم الدين لإدارة هذه الحروب؟








