وكالة حرية | الاحد 14 ايلول 2025
أحمد الحمداني
العراق… وطن يستحق
كنت أجلس في سيارة أجرة متوجهاً من البصرة إلى بغداد، رحلة طويلة تمتد لأكثر من خمس ساعات يحدّثني الطريق عن تفاصيل المدن، ويعيدني الشوق إلى محطات العمر، فالبصرة أعشقها مثل عشقي لبغداد والسليمانية، وكأنني متزوج من ثلاث نساء، لكل واحدة منهن حكاية مختلفة، لكن يجمعهن خيط العاطفة والهوية.
قبل يومين فقط، وقفت على شط العرب، ذلك النهر الذي يشبه في خيالي ضفيرة شعر الحبيبة، كما كنت أصف دجلة والفرات من قبل. وجدت نفسي مأخوذاً بجماله، وبأهله من الشباب والشابات الذين يريدون أن يعيشوا حياة كريمة، ويؤمنون أن مسؤوليتهم لا تقتصر على الحلم، بل تتعداه إلى العمل والبذل.
لكن في الوقت نفسه، هذا الجيل يدخل عالم السياسة الذي صار كثير من العراقيين ينفرون منه، بعدما حوّله الفاشلون إلى ساحة صفقات، يبيعون فيها أصوات الناس وكراماتهم بثمن بخس. ثلاثة وعشرون عاماً مضت على التغيير، لكن ماء البصرة ما زال مالحاً، والناس يدفعون الثمن مرتين مرة في فاتورة الفشل، ومرة في صبرهم على الأمل المؤجل.
وهنا يطرح السؤال نفسه لماذا تُسرق أموال العراق؟ لماذا يتحول حقّ الناس في الماء والكهرباء والطرق إلى مادة مساومة، وكأن من يطالب بمحولة كهرباء أو تبليط شارع يطلب المستحيل؟ أليس هذا الوطن ملكاً لأبنائه جميعاً؟
العراق لا يستحق هذا العبث. العراق، بتاريخ حضارته الممتدة من بابل إلى سومر، وبثرواته التي لو أُحسن استثمارها لكان في مقدمة دول المنطقة، قادر أن يكون الأفضل، الأقوى، والأكثر استقراراً. نحن لسنا بلداً فقيراً ولا عاجزاً، لكننا بحاجة إلى إرادة سياسية وطنية، تنقلنا من مرحلة “إدارة الأزمات” إلى مرحلة “صناعة المستقبل”.
قد يقول البعض إن الطريق طويل، لكن الحقيقة أن بناء قواعد جماهيرية واعية ومؤمنة بالإصلاح هو الضمان الوحيد للمستقبل. يجب أن يكون هناك مشروع وطني جامع، يرفع العراق إلى مكانته الطبيعية، لا بل إلى ما هو أبعد أن يكون نموذجاً في المنطقة.
فالعراق يستحق أن يكون دولة رائدة دولة تُقاس بقوة شبابها، بوعي شعبها، وبقدرتها على تحويل الألم إلى أمل. وكل ذلك يبدأ من قناعة بسيطة أن العمل من أجل الوطن ليس خياراً ثانوياً، بل هو واجب لا بديل عنه.







