وكالة حرية | السبت 16 آب 2025
في منتصف التسعينيات، كانت المجلات في نيويورك أكثر من مجرد مطبوعات دورية؛ كانت مؤسسات اقتصادية وثقافية تملك القدرة على تحديد اتجاهات الموضة والسياسة والفنون.
كانت شركات مثل كوندي ناست وهيرست تنفق بسخاء غير محدود؛ تحرير فاخر، مكاتب فخمة في ناطحات السحاب، ورحلات محررين عبر الكونكورد إلى باريس ولندن.
لم يكن المحررون موظفين عاديين، بل نجوماً بحد ذاتهم، يتقاضون رواتب ضخمة ويحصلون على بدلات للسكن والملابس ويستضافون في الصفوف الأولى لعروض الأزياء، كانت صناعة المجلات آنذاك تجسيداً لمعادلة «القوة الناعمة» الأميركية، إذ امتدت تأثيراتها إلى السينما والتلفزيون وحتى السياسة.
«جورج».. مشروع كينيدي الذي هز الوسط الإعلامي
في عام 1995، قرر جون كينيدي الابن، الوريث الأبرز لعائلة أيقونية في السياسة الأميركية، أن يدخل ساحة الإعلام بإطلاق مجلة «جورج».
كانت فكرة المجلة مبتكرة، وهي الجمع بين السياسة والثقافة الشعبية، بين صور السياسيين على أغلفة لامعة وقصص المشاهير عن القضايا العامة.
الهالة «الكينيدية» منحت «جورج» زخماً فورياً، إذ سارعت الشركات الإعلانية الكبرى للحجز، وانضم الكتاب المرموقون بأجور عالية، ليس فقط إعجاباً بالفكرة بل أيضاً بانجذاب إلى «الاسم» الذي يقف خلفها.
لكن المجلة حملت منذ البداية سمعة مثيرة للجدل؛ إذ نظر إليها منافسوها باعتبارها مشروعاً نرجسياً مدعوماً بالوراثة العائلية أكثر من كونه منصة صحفية ذات جدوى اقتصادية.
التحديات والانهيار.. من الحلم إلى الإفلاس
وفاة جون كينيدي الابن المفاجئة في حادث طائرة عام 1999 كانت صدمة قلبت الطاولة.
صمدت المجلة لعامين إضافيين، لكنها دخلت دوامة الخسائر، إذ بلغت خسائرها نحو 10 ملايين دولار قبل أن تغلق نهائياً عام 2001.
لكن انهيار «جورج» لم يكن حالة فردية، كان الإنترنت في صعود متسارع، وبدأ يسحب البساط من تحت المجلات المطبوعة.
وفجأة أصبح الخبر متاحاً مجاناً، والمعلنون وجدوا في المواقع الإلكترونية وسيلة أرخص وأوسع للوصول إلى الجمهور.
سرعت الأزمة المالية العالمية عام 2008 الانهيار، خفضت المجلات ميزانياتها وأغلقت إصداراتها الثانوية وقلصت امتيازات موظفيها، باتت الصحافة -التي كانت ترسل محررين في رحلات فاخرة- بالكاد تغطي تكاليف الطباعة والتوزيع.
من «فوغ» إلى «فيسبوك».. تغيّر مركز الثقل
بينما انهارت المجلات، صعدت منصات التواصل الاجتماعي، وأصبحت فيسبوك وإنستغرام وتويتر الحارس الجديد لـ«الذوق العام»، وبدلاً من أن تحدد «فوغ» اتجاهات الموضة، صار مؤثرو إنستغرام من الشباب هم من يحددونها.
وتغير الجمهور، إذ لم يعد ينتظر إصداراً شهرياً ليقرأ، بل يريد محتوى لحظياً ومتجدداً، بصور وفيديوهات قصيرة وتفاعل مباشر.
في هذا التحول، تراجعت المجلات من كونها «سلطة عليا» إلى كونها أرشيفاً أو امتداداً رقمياً متواضعاً، حتى الأسماء الكبرى مثل «نيوزويك» و«لايف» اضطرت لإغلاق النسخ الورقية أو تقليصها بشكل جذري.
دروس لوسائل الإعلام
هذه التجربة الأميركية تحمل رسائل واضحة للمؤسسات الإعلامية:
1. التغيير قادم مهما طال الازدهار: ما حدث في نيويورك يوضح أن حتى أقوى الإمبراطوريات الإعلامية ليست محصنة أمام التحولات التكنولوجية.
2. التحول الرقمي ليس خياراً: وسائل الإعلام التي تراهن على الورقي فقط تخاطر بالتراجع السريع، الاستثمار في المنصات الرقمية والتجارب التفاعلية ضرورة بقاء.
3. الجمهور لم يعد نخبوياً: كانت مجلات التسعينيات تخاطب الصفوة، اليوم أصبح الجمهور متنوعاً ومتعدد الخلفيات، والإعلام الناجح هو الذي يخاطب شرائح واسعة بلغة أقرب وأسرع.
4. الاقتصاد أساس الاستدامة: مشاريع مثل «جورج» أثبتت أن الاسم وحده لا يكفي، لا بد من نموذج عمل مستدام يوازن بين الجودة التحريرية والعائد المالي.
هل انتهى عصر المجلات حقاً؟
رغم الانكماش، لا يمكن القول إن المجلات اختفت كلياً، ما زالت بعض المؤسسات الكبرى مثل «فوغ» و«ذا نيويوركر» تحافظ على مكانتها، لكنها أعادت ابتكار نفسها رقمياً عبر منصات الفيديو والبودكاست والإصدارات التفاعلية.
أما جوهر فكرة «جورج»، وهي دمج السياسة بالثقافة الشعبية، فقد تحقق بطرق جديدة عبر وسائل التواصل، اليوم يمكن لأي مدوّن أو ناشط أن يبتكر «مجلته الشخصية» عبر يوتيوب أو إنستغرام، بقدرة انتشار تفوق أحياناً المجلات التقليدية.
من مجد نيويورك إلى عصر ما بعد المجلات
قصة «جورج» هي مرآة لتحولات أوسع في صناعة الإعلام، من اقتصاد ملياري تديره مؤسسات ضخمة، إلى فضاء رقمي مفتوح تحكمه الخوارزميات والمحتوى السريع.
قد تبدو الصحافة الورقية اليوم مجرد ظل لما كانت عليه، لكن أثرها في تشكيل الثقافة والسياسة ما زال يطل علينا، من حفلات ميت غالا إلى بقايا نفوذ ذا أتلانتيك.
ومع ذلك، فإن السلطة الحقيقية انتقلت من مكاتب المحررين في نيويورك إلى منصات الهواتف الذكية في كل بيت حول العالم.







