وكالة حرية | الثلاثاء 4 تشرين الثاني 2025
ظهور سفينة حربية عثمانية غارقة قرب الشرقاط يعيد مشاهد الحرب العالمية الأولى
بعد أكثر من مئة عام من الغرق، أعاد انخفاض منسوب نهر دجلة في شمال العراق إلى السطح مشهداً تاريخياً نادراً؛ سفينة حربية عثمانية كانت قد ابتلعها النهر أثناء المواجهات مع القوات البريطانية في بدايات القرن الماضي، لتتحول إلى حدث أثار اهتمام الأهالي والباحثين وأعاد الحديث عن الذاكرة العسكرية الغارقة وأزمة المياه المتفاقمة في البلاد.
اكتشاف بالصدفة يوثّق قرناً من التاريخ
انتشر مقطع مصوّر على مواقع التواصل الاجتماعي يوثّق ظهور السفينة العملاقة قرب قضاء الشرقاط شمال محافظة صلاح الدين، بعد أن نشره المغامر العراقي علي حمد، ليحظى بتفاعل واسع من المتابعين الذين رأوا في المشهد لمحة من الماضي العسكري العثماني الذي عاش طويلاً في ذاكرة المنطقة.
ويقول أحد وجهاء الشرقاط إبراهيم الموسى إن “هذا المركب قديم جداً، ويُقال إنه يعود إلى الجيش العثماني وقد قُصف من قبل طائرات الجيش البريطاني أثناء الحرب”، مضيفاً أن “الآباء والأجداد تناقلوا قصصاً عنه منذ عقود طويلة”.
حكايات من الذاكرة الشعبية
من جانبه، يوضح المواطن حسن الجبوري أن “السفينة ظلّت غارقة لعشرات السنين، وكان يظهر جزء منها أحياناً عند انخفاض منسوب النهر”، مشيراً إلى أن الأهالي سمعوا من كبار السن روايات عن جنود ومعدات حربية كانت ترافقها قبل أن تغرق في ظروف غامضة.
أما الباحثون المحليون فيؤكدون أن الموقع الذي غرق فيه المركب معروف لأهالي الشرقاط منذ القدم، لكنه لم يُوثّق رسمياً رغم أهميته التراثية.
انخفاض المياه يكشف ما أخفته الطبيعة
يرى الخبير المائي جاسم عطية أن ظهور السفينة مرتبط بـ”الانخفاض الكبير في مناسيب نهر دجلة خلال الأسابيع الأخيرة”، موضحاً أن “تراجع الإطلاقات المائية من تركيا وسوريا أدى إلى انحسار غير مسبوق للمياه، ما كشف عن معالم وأجسام كانت مغمورة بالكامل لعقود طويلة”.
ويضيف عطية أن “الانخفاض الحالي يفتح المجال أمام اكتشاف معالم تاريخية غارقة، لكنه في الوقت نفسه يسلّط الضوء على أزمة مائية متنامية تهدد الزراعة والمجتمعات المحلية في العراق”.
معارك الشرقاط… مشهد من الحرب العالمية الأولى
يقول الباحث التاريخي عبدالله عثمان إن “منطقة تكريت والشرقاط شهدت خلال عامي 1917 و1918 معارك شرسة بين الجيش العثماني والقوات البريطانية المتقدمة من الجنوب باتجاه الموصل”، مشيراً إلى أن “نهر دجلة كان مسرحاً أساسياً لتلك المواجهات”.
ويضيف أن “السفن النهرية كانت جزءاً من الاستراتيجية الدفاعية للعثمانيين، إذ نُقلت عبرها الإمدادات والذخائر، وكان تدميرها يعرقل خطوط الإمداد ويؤثر في سير المعارك”، مؤكداً أن “ظهور هذه السفينة اليوم يمثل دليلاً مادياً على تلك الحقبة العسكرية، ويفتح الباب أمام دراسات أثرية دقيقة لفهم العمليات العسكرية في شمال العراق خلال الحرب العالمية الأولى”.
دعوات للتوثيق والدراسة الأثرية
وطالب عدد من سكان الشرقاط الجهات المعنية بإجراء دراسة أثرية للموقع لتحديد عمر السفينة بدقة وتوثيقها كجزء من التراث العسكري، معتبرين أن “هذا الاكتشاف يمثل ذاكرة حية من تاريخ محافظة صلاح الدين”.
كما دعا الخبير عطية إلى “الاستفادة من الظاهرة لإجراء مسوحات علمية تشمل التراث الغارق في نهر دجلة، حفاظاً على الذاكرة المائية والعسكرية للعراق”.
أزمة المياه تكشف التراث وتُنذر بالمستقبل
بدوره، حذّر الخبير المائي حسين علي من أن “الانخفاض الخطير في منسوب نهر دجلة يُعد من أخطر المؤشرات البيئية في البلاد منذ سنوات”، موضحاً أن “الإطلاقات المائية من تركيا تراجعت بشكل كبير، ما تسبب بظهور جزر طينية وتعطّل محطات الضخ الزراعية في محافظات الوسط والجنوب”.
وأضاف أن استمرار هذا التراجع “سيؤثر على إنتاج الطاقة في السدود، ويرفع ملوحة شط العرب، ما يستدعي تحركاً دبلوماسياً عاجلاً وتفعيل اتفاقيات تقاسم المياه”.
من ذاكرة النهر إلى تحذيرات المستقبل
وبينما تكشف مياه دجلة المنحسرة عن صفحات من التاريخ، يرى الباحثون أن هذا الحدث يحمل رسالة مزدوجة: فالسفينة التي ظهرت من أعماق الحرب تذكّر بذاكرة بلد غني بتاريخه، لكنها في الوقت نفسه تنذر بخطر بيئي متزايد يهدد حاضره ومستقبله المائي.







