وكالة حرية | السبت 28 حزيران 2025
في مدينة هيت الواقعة على ضفاف نهر الفرات غرب العراق، تقف النواعير شامخة وهي تروي قصة حضارة ضاربة في القدم، حيث لا تزال هذه العجلات المائية الخشبية تدور بصوتها المميز، رغم تحديات التحديث والجفاف وتراجع الاهتمام الحكومي.
تُعدّ نواعير هيت من أبرز المعالم التراثية التي تعكس عبقرية الإنسان العراقي القديم في التكيّف مع بيئته. وقد كانت هذه النواعير تُستخدم تقليديًا لرفع المياه من النهر لري البساتين والمزارع، عبر تدويرها بقوة دفع المياه، دون الحاجة إلى أي وقود أو طاقة كهربائية.
أصل النواعير وأهميتها
يعود تاريخ بناء النواعير في هيت إلى مئات السنين، ويُعتقد أن أصلها يرجع إلى العصور العباسية، حيث مثّلت حينها تقنية متطورة لنقل المياه، خاصة في المناطق ذات التضاريس المنخفضة. وكانت تُصنع يدويًا من الخشب المحلي، وتُصمم بأبعاد دقيقة تضمن استمرار دورانها رغم تغيّر مناسيب النهر.
وعن رمزية النواعير، يقول الباحث في التراث الشعبي أحمد الجميلي إن “نواعير هيت ليست مجرد أدوات ريّ، بل هي جزء من هوية المدينة، وقد اقترنت بالذاكرة الجمعية لأهل الأنبار، وشكّلت أحد معالم الحياة الاقتصادية والاجتماعية لعقود طويلة”.
مقصد سياحي وتراث مهدد
في الوقت الحاضر، تحوّلت نواعير هيت إلى وجهة سياحية بارزة، يقصدها الزوار من مختلف أنحاء العراق، وحتى من بعض الدول المجاورة. وقد بدأت الجهات المحلية مؤخراً بتنظيم مهرجانات صغيرة وعروض تراثية قرب النواعير، بهدف إحيائها وتسليط الضوء على أهميتها.
يقول مسؤول إعلام مديرية سياحة الأنبار، حسين الدليمي، إن “المديرية بصدد إطلاق مشروع لإدراج نواعير هيت ضمن الخريطة الوطنية للسياحة البيئية والتراثية، بالتنسيق مع هيئة السياحة ووزارة الثقافة”.
ورغم ذلك، لا تزال هذه النواعير تواجه خطر الاندثار نتيجة عوامل طبيعية مثل الجفاف وتقلص منسوب المياه، إضافة إلى غياب الصيانة الدورية. ويؤكد حرفيون محليون أن بعض النواعير خرجت عن الخدمة بالفعل، في ظل قلة الدعم المالي والتقني.
دعوات للحفاظ
يطالب ناشطون ومثقفون من هيت الحكومة المحلية والمركزية بإدراج النواعير ضمن لائحة التراث الثقافي غير المادي، وإطلاق مشاريع ترميم عاجلة. كما يشددون على أهمية توثيق هذه النواعير بالصوت والصورة، وإدراجها في المناهج الدراسية كمصدر فخر وطني.
ويختم المؤرخ المحلي عبد الستار العبيدي بالقول:
“إن بقاء النواعير في هيت لا يعني فقط حفظ آلة مائية قديمة، بل يعني الحفاظ على جزء حيّ من هوية العراق التاريخية والتراثية، وهي مسؤولية الجميع”.







