حرية | الاثنين 9 آذار 2026
تضخم الجهاز الوظيفي في العراق
قراءة تاريخية من تحذير صحفي عام 1954 إلى مأزق الدولة في عام 2026
بين تشخيص الصحافة العراقية المبكر وتحولات الدولة الريعية
كتب : دريد توفيق
تتناول هذه الدراسة ظاهرة تضخم الجهاز الوظيفي في الدولة العراقية من خلال تحليل جذورها التاريخية والمؤسسية. وتنطلق الدراسة من قراءة وثيقة صحفية مبكرة نشرها الكاتب ثابت الحاج أسعودي في صحيفة الحساب بتاريخ 10 نيسان 1954، والتي تناولت نقداً مبكراً لنظام تنظيم الميزانية وقوانين الملاك الوظيفي في وزارة المالية العراقية.
وتحاول هذه الدراسة ربط ذلك النقد التاريخي المبكر بالتحولات الاقتصادية والسياسية التي شهدها العراق خلال العقود اللاحقة، خاصة بعد تحوله إلى دولة ريعية تعتمد بشكل كبير على عائدات النفط.
وتخلص الدراسة إلى أن تضخم الجهاز الحكومي في العراق ليس ظاهرة حديثة، بل هو نتيجة تراكمات مؤسسية وتشريعية بدأت منذ منتصف القرن العشرين وتفاقمت لاحقاً بفعل الاقتصاد الريعي، والتوظيف السياسي، والضغوط الاجتماعية المرتبطة بسوق العمل.

المقدمة
في أرشيف الصحافة العراقية القديمة صفحات تبدو اليوم وكأنها رسائل من الماضي إلى الحاضر.
صفحات كتبت قبل سبعين عاماً، لكنها عندما تُقرأ في سياق العراق المعاصر تبدو أقرب إلى تشخيص مبكر لأزمة كبرى تعيشها الدولة العراقية اليوم.
ففي العاشر من نيسان عام 1954 نشرت صحيفة عراقية تدعى الحساب مقالاً للصحفي ثابت الحاج أسعودي.
لم يكن المقال يتناول انقلاباً سياسياً أو أزمة إقليمية أو صراعاً دولياً، بل ناقش قضية تبدو في ظاهرها إدارية بسيطة: تضخم عدد الموظفين في الدولة العراقية.
لكن ذلك المقال لم يكن مجرد نقد إداري عابر، بل كان إنذاراً مبكراً لمسار طويل سيقود الدولة العراقية بعد عقود إلى واحدة من أعقد أزماتها المالية والإدارية.
فالمشكلة التي أشار إليها الكاتب في خمسينيات القرن الماضي لم تكن مجرد خلل مؤقت في تنظيم الوظائف الحكومية، بل كانت خللاً مؤسسياً في بنية الخدمة المدنية يمكن أن يتحول مع الزمن إلى آلية لإنتاج البيروقراطية بدلاً من تنظيمها.
واليوم، ونحن في عام 2026، تبدو هذه الكلمات القديمة وكأنها وصف دقيق لما وصل إليه الجهاز الحكومي في العراق.

أولاً
المقال التاريخي: قراءة في نص ثابت الحاج أسعودي (1954)
تناول الكاتب ثابت الحاج أسعودي في مقاله المنشور عام 1954 موضوع تنظيم الميزانية العامة للدولة العراقية، وأشار إلى دور مدير الميزانية في وزارة المالية آنذاك خضروري عزرا في وضع قواعد تنظيم التخصيصات المالية للدولة.
ووفقاً للمقال، فقد وضع هذا النظام مجموعة من التعليمات التي بدت في ظاهرها ذات طابع اقتصادي تنظيمي، لكنها في التطبيق العملي أدت إلى نتائج عكسية.
فقد نصت التعليمات على:
تحديد سقف أعلى للراتب داخل كل وظيفة.
عدم جواز تجاوز هذا السقف ضمن نفس المسمى الوظيفي.
ضرورة استحداث وظيفة أعلى درجة عند استحقاق الترفيع.
هذه القواعد الإدارية البسيطة أنتجت آلية بيروقراطية معقدة.
فحين يصل الموظف إلى الحد الأعلى لراتبه، لا يمكن رفع راتبه داخل نفس الوظيفة.
وبالتالي يصبح الحل الوحيد هو نقله إلى وظيفة أعلى درجة.
لكن هذه الترقية لا تنهي المشكلة، بل تخلق سلسلة جديدة من التغييرات داخل الجهاز الإداري.

ثانياً
الآلية البيروقراطية لتضخم الجهاز الحكومي
يمكن تبسيط الآلية التي وصفها المقال التاريخي بالشكل التالي:
ترقية الموظف
↓
استحداث وظيفة أعلى
↓
بقاء الوظيفة القديمة شاغرة
↓
تعيين موظف جديد
↓
تضخم الملاك الوظيفي
هذه العملية تتكرر مع كل ترقية داخل الجهاز الإداري.
وبمرور الزمن يتحول الجهاز الحكومي إلى هيكل متضخم لا يتناسب مع الحاجة الفعلية للإدارة العامة.
فالمشكلة ليست في عدد الموظفين فقط، بل في المنطق الإداري الذي ينتجهم.
فالوظائف لا تُخلق بسبب الحاجة المؤسسية، بل بسبب القيود القانونية التي تحكم نظام الترفيع الوظيفي.
وهذا ما أدركه الكاتب مبكراً عندما حذر من أن هذه القواعد ستؤدي إلى تضخم الجهاز الحكومي دون جدوى حقيقية.

ثالثاً
العراق في خمسينيات القرن العشرين: سياق المشكلة
لفهم أهمية ذلك المقال، يجب النظر إلى السياق التاريخي الذي كتب فيه.
ففي خمسينيات القرن الماضي:
كان الجهاز الحكومي العراقي صغيراً نسبياً.
كانت موارد الدولة محدودة.
كان الاقتصاد يعتمد على الزراعة والتجارة بدرجة كبيرة.
ولم يكن النفط قد أصبح بعد المصدر الرئيسي للثروة الوطنية.
لذلك بدت مشكلة تضخم الموظفين في تلك الفترة محدودة نسبياً.
لكن الكاتب أدرك أن المشكلة ليست في حجمها الحالي، بل في المسار الذي يمكن أن تقود إليه مستقبلاً.
فالخلل المؤسسي إذا لم يُعالج مبكراً يمكن أن يتحول مع الزمن إلى أزمة هيكلية.
رابعاً
التحول الكبير: العراق كدولة ريعية
بعد عقود من ذلك المقال تغيرت بنية الاقتصاد العراقي بشكل جذري.
فمع تزايد عائدات النفط منذ السبعينيات بدأ العراق يتحول تدريجياً إلى ما يسميه علماء الاقتصاد السياسي:
الدولة الريعية (Rentier State)
أي الدولة التي تعتمد بشكل أساسي على عوائد الموارد الطبيعية بدلاً من الإنتاج الاقتصادي المتنوع.
وفي مثل هذه الدول يحدث تحول كبير في دور الوظيفة الحكومية.
فلم تعد الوظيفة مجرد وسيلة لإدارة الدولة، بل أصبحت أداة لتوزيع الثروة.
خامساً
الوظيفة الحكومية كأداة سياسية
في الدول الريعية غالباً ما تستخدم الحكومات التوظيف الحكومي لتحقيق عدة أهداف سياسية واجتماعية:
امتصاص البطالة.
تحقيق الاستقرار الاجتماعي.
بناء شبكات الولاء السياسي.
توزيع عائدات النفط على المجتمع.
وهكذا أصبح التوظيف الحكومي في العراق ليس مجرد قرار إداري، بل أداة سياسية واقتصادية واجتماعية.
ومع مرور الزمن بدأ الجهاز الحكومي يتضخم بسرعة أكبر مما كان متوقعاً.
سادساً
العراق بعد 2003: الانفجار البيروقراطي
بعد عام 2003 شهد العراق موجة توسع كبيرة في التوظيف الحكومي نتيجة عدة عوامل:
إعادة بناء مؤسسات الدولة
دمج التشكيلات العسكرية والأمنية
برامج التوظيف الواسعة
الضغوط السياسية والاجتماعية
وبحلول العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين أصبح الجهاز الحكومي العراقي أحد أكبر أجهزة التوظيف في المنطقة.
سابعاً
صورة الجهاز الحكومي في العراق عام 2026
اليوم تبدو الصورة أكثر وضوحاً.
فالدولة العراقية أصبحت:
أكبر جهة توظيف في البلاد
أكبر دافع للرواتب
وأكبر مصدر للدخل لشرائح واسعة من المجتمع
وتلتهم الرواتب والتقاعد جزءاً كبيراً من الموازنة العامة.
كما أصبح الجهاز الحكومي يضم ملايين الموظفين.
لكن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في العدد، بل في ضعف الإنتاجية مقارنة بحجم الإنفاق.
ثامناً
قراءة في ضوء نظريات الإدارة العامة
يمكن تفسير تضخم الجهاز الحكومي في العراق باستخدام عدة مفاهيم في علم الإدارة العامة:
البيروقراطية التوسعية
تشير هذه النظرية إلى أن المؤسسات الحكومية تميل بطبيعتها إلى التوسع.
نظرية نيسكانن
يرى الاقتصادي ويليام نيسكانن أن البيروقراطيات تسعى دائماً إلى زيادة ميزانياتها لتعزيز نفوذها.
الدولة الريعية
في الدول التي تعتمد على النفط يقل الضغط الضريبي على الدولة، وبالتالي تقل الحاجة إلى ضبط الإنفاق العام.
تاسعاً
دور الصحافة العراقية في تشخيص الأزمة
تكشف الوثيقة الصحفية التي كتبها ثابت الحاج أسعودي عن حقيقة مهمة.
فالصحافة العراقية في منتصف القرن العشرين لم تكن مجرد ناقل للأخبار.
بل كانت تمتلك قدرة تحليلية مبكرة على تشخيص مشكلات الدولة.
فذلك المقال كتب قبل أكثر من سبعين عاماً، لكنه وصف بدقة الآلية التي ستؤدي لاحقاً إلى تضخم الجهاز الحكومي.
عاشراً
الدروس المستفادة
تكشف هذه القراءة التاريخية عن ثلاث حقائق أساسية:
أولاً
أن تضخم الجهاز الحكومي في العراق ليس مشكلة حديثة.
ثانياً
أن الخلل في القوانين الإدارية يمكن أن يولد آثاراً طويلة الأمد.
ثالثاً
أن الإصلاح الإداري يجب أن يكون هيكلياً وليس جزئياً.
الخاتمة
إن قراءة مقال صحيفة الحساب لعام 1954 تكشف أن مشكلة تضخم الجهاز الوظيفي في العراق بدأت كخلل إداري بسيط، لكنها تحولت مع الزمن إلى إحدى أكبر التحديات الاقتصادية التي تواجه الدولة.
فالأزمات الكبرى لا تبدأ عادة بقرارات كبيرة، بل تبدأ غالباً بتفاصيل قانونية صغيرة لا ينتبه لها أحد في وقتها.
وهذا ما حدث تماماً.
قانون وظيفي صغير في منتصف القرن العشرين
تحول مع الزمن إلى جهاز حكومي ضخم في القرن الحادي والعشرين.
وهكذا يخبرنا أرشيف الصحافة العراقية درساً مهماً ونحن في عام 2026:
أحياناً يكون الصحفي الذي يكتب مقالاً في زاوية صحيفة قديمة
أكثر قدرة على رؤية المستقبل
من كثير من الخطط الاقتصادية التي تكتب بعد ذلك بعشرات السنين.
المراجع
Weber, Max – The Theory of Social and Economic Organization
Niskanen, William – Bureaucracy and Representative Government
Downs, Anthony – Inside Bureaucracy
Luciani, Giacomo – The Rentier State







