حرية ـ (25/2/22025)
طارق الشامي
في خطوة إضافية من إدارة ترامب لإعادة صياغة البرامج الهادفة إلى مساعدة السكان المحرومين تاريخياً كالسود واللاتين على مواجهة صور التمييز العنصري، ألغت وزارة التعليم البرامج القائمة على العرق وهددت بمعاقبة الجامعات والمدارس التي تأخذ في اعتبارها عامل العرق ضمن المنح الدراسية والتوظيف وغيرهما من الأنشطة الأخرى، وهو ما عدَّه منتقدو ترامب حلقة أخيرة في سلسلة من الأوامر التنفيذية العنصرية التي تهدم 60 عاماً من توسيع الحقوق والحريات والمساواة في المجتمع الأميركي، بينما عدَّها أنصاره تصحيحاً لسياسات خاطئة أضرت بالبيض والآسيويين المحرومين. فما حجج كل طرف في قضية العنصرية؟ وهل كان ترامب أول من يقلص السياسات الليبرالية أم كانت بذرتها موجودة تاريخياً منذ أمد بعيد، وعادت للنشاط والقوة فقط بعد انتهاء الحرب الباردة؟
تغيير منهجي
بدا التوجيه الذي أطلقته وزارة التعليم في إدارة الرئيس دونالد ترامب بتحذير الجامعات والمدارس من أنها تخاطر بفقدان التمويل الفيدرالي إذا استمرت في وضع مسألة العرق في الاعتبار، عند اتخاذ قرارات المنح الدراسية والتوظيف والقبول والترقيات والجوائز والإسكان وحفلات التخرج وجميع الجوانب الأخرى للحياة الطلابية والأكاديمية، بمثابة خطوة جديدة في سلسلة إجراءات هادفة إلى إحداث تغيير منهجي يقوده ترامب وعدد من المحافظين في المجتمع الأميركي، للقضاء على التقدم الذي حققته جهود ليبرالية استمرت على مدى 60 عاماً لتحقيق العدالة العرقية داخل بلد ارتبط بتاريخ طويل من التمييز والعنصرية.
وعلى رغم أن التوجيه الجديد استند إلى حكم للمحكمة العليا الأميركية صدر عام 2023 ووجد أن استخدام ممارسات القبول على أساس العرق في الكليات والجامعات أمر غير قانوني، فإنه تجاوز نطاق قرار المحكمة العليا بإبلاغ المدارس والجامعات بأن النظر في العرق على الإطلاق سيكون سبباً للعقاب، مما أثار مخاوف متصاعدة في المجتمع التعليمي والدوائر الأكاديمية من إجراءات أسوأ من شأنها أن تفاقم من التمييز، وبخاصة أن إدارة ترامب ألغت أيضاً 600 مليون دولار من المنح التي تركز على تدريب المعلمين في مواضيع عدَّتها غير مناسبة وغير ضرورية مثل نظرية العرق النقدية (وهي إطار أكاديمي وقانوني يحلل كيفية ترسيخ العنصرية في المجتمع الأميركي)، والأنشطة المتعلقة بالعدالة الاجتماعية ومناهضة العنصرية.
وبعد أن ظلت المدارس والجامعات على مدى عقود تقدم منحاً دراسية خاصة بالطلاب من خلفيات عرقية معينة أو تحتفظ ببرامج وجمعيات في الحرم الجامعي مصممة للطلاب من تراث عرقي أو أعراق محددة، من أجل مساعدتهم على تجاوز الحرمان الذي عانوه عبر منحهم فرصاً تعليمية ووظيفية بهدف تحقيق نوع من المساواة في المجتمع، شهد هذا الشهر مسيرة عكسية استهدفت إلغاء هذه الجهود، وعلى سبيل المثال حلت الأكاديمية العسكرية الأولى في أميركا المعروفة باسم “ويست بوينت” 12 مجموعة تعمل على أساس عرقي، بما في ذلك “نادي الجمعية الوطنية للمهندسين السود” ونادي منتدى آسيا والمحيط الهادئ وجمعية فيتنامية أميركية. وعلقت كليات أخرى احتفالاً بمناسبة رأس السنة القمرية الجديدة وألغت منتدى حول العرق، وأنهت دروساً تتناول برامج التنوع والمساواة والشمول.

رئيسة الائتلاف الوطني للمشاركة المدنية السوداء في أميركا، ميلاني كامبل، تشارك في تجمع خارج مبنى الكابيتول للدفاع عن التعليم العام في 12 فبراير الحالي
إعادة صياغة العنصرية
ويبدو أن وزارة التعليم الأميركية تعيد صياغة قانون الحقوق المدنية الأميركي، إذ حددت رسالتها إلى المؤسسات التعليمية أن كثيراً من الأنشطة بما فيها احتفالات التخرج التي تكرم الطلاب السود بصورة منفصلة عن احتفالات التخرج الأكبر، يمكن اعتبارها تمييزية. ووصف القائم بأعمال مساعد وزير التعليم للحقوق المدنية كريغ تراينور عدداً من المدارس والجامعات الأميركية بأنها تشجع الفصل العنصري في حفلات التخرج وفي الإقامة داخل المساكن الطلابية وغيرهما من المرافق.
وفسر تراينور البرامج والمنح الدراسية المخصصة للأقليات العرقية، والتي سعى عدد منها تاريخياً إلى مساعدة الطلاب السود واللاتين في الحصول على درجات جامعية، بأنها جاءت على حساب الطلاب البيض والآسيويين الذين يأتي كثر منهم من خلفيات محرومة، مشيراً إلى أنه لا يجوز للمؤسسات التعليمية فصل الطلاب أو عزلهم على أساس العرق، ولا توزيع للمزايا أو الأعباء على أساس العرق، محذراً من أنه إذا تعاملت مؤسسة تعليمية مع شخص من عرق ما بصورة مختلفة عن معاملتها لشخص آخر بسبب عرق ذلك الشخص، فإن المؤسسة التعليمية تنتهك القانون.
عكس التمييز
بعبارة أخرى، يشير ترامب وآخرون إلى أن الجهود المبذولة لإنهاء التمييز هي في حد ذاتها صورة من صور التمييز، وتجبر على توظيف أشخاص غير مؤهلين وغير أكفاء، إذ أوضح ترامب هذا الرأي في تعليقاته على الاصطدام الأخير بين طائرة ركاب ومروحية عسكرية في واشنطن العاصمة قبل أي تحقيق رسمي، حين أوضح أن الحادثة نتجت من جهود إدارة أوباما وبايدن لتنويع موظفي إدارة الطيران الفيدرالية، في إشارة إلى أن امرأة كانت تقود المروحية العسكرية (بلاك هوك) وأن هذه الجهود تعمل على ترقية الأشخاص غير المؤهلين.
وكانت الجهود الرامية إلى عكس برامج التنوع والمساواة والشمول مصحوبة بخطوات أخرى، وعلى سبيل المثال لن تستخدم وزارة الدفاع بعد الآن الموارد الرسمية للاحتفال بشهر تاريخ السود وشهر تاريخ المرأة، وشهر تراث الأميركيين الآسيويين وسكان جزر المحيط الهادئ وشهر التراث الوطني للاتين، وشهر التوعية الوطنية بتوظيف ذوي الإعاقة وشهر التراث الوطني للهنود الأميركيين.
انتكاسة صادمة
وبينما يتوقع أن تواجه قرارات وأوامر إدارة ترامب تحديات قانونية عدة، يرى أكاديميون أن 60 عاماً من التقدم في توسيع الحقوق يتراجع الآن بسبب ترامب، وأن ما يجري حالياً ليس سوى نمط مألوف للغاية في تاريخ الولايات المتحدة، إذ عدَّ أستاذ دراسات القيادة في جامعة ريتشموند جوليان ماكسويل هايتر أن المحافظين ظلوا على مدى 60 عاماً يحاولون إفراغ قانون الحقوق المدنية وقانون حقوق التصويت في ستينيات القرن الـ20 من مضمونهما وإعادة تفسيرهما لصالحهم، وأن لعبتهم الطويلة تؤتي ثمارها أخيراً مما ينذر بانتكاسة واسعة في حقوق الأقليات داخل المجتمع الأميركي وبخاصة حقوق السود.
وبدت ملامح هذه الانتكاسة قبل نحو عقد حين دقت المحكمة العليا الأميركية عام 2013 ناقوس الموت، حينما ألغت جزءاً من قانون حقوق التصويت المعني بالإشراف على الانتخابات داخل المناطق التي لديها تاريخ من حرمان المواطنين السود والأقليات من حق التصويت، وأعقب ذلك إلغاء نفس المحكمة العليا لحق تخصيص حصص لقبول المواطنين من الأقليات العرقية في الجامعات، مما عده بعض تتويجاً لاستراتيجية قانونية محافظة استمرت عقوداً من الزمان ومصممة لإلغاء المكاسب السياسية التي حققتها حركة الحقوق المدنية.

جانب من الحضور أثناء مشاركة ترامب في المؤتمر السنوي للجمعية الوطنية للصحافيين السود في شيكاغو، إلينوي، في 31 يوليو 2024
مزيد من التعصب
غالباً ما تُصور قوانين الحقوق المدنية وحقوق التصويت خلال ستينيات القرن الـ20 على أنها انتصار على العنصرية، لكن “ثورة الحقوق في الواقع أدت إلى مزيد من التعصب” بحسب هايتر، فبعد عام 1965 أشعل الناخبون السود ثورة سياسية داخل الولايات الجنوبية، وصوت الأميركيون من أصل أفريقي بأعداد قياسية وانتخبوا عدداً غير مسبوق من المسؤولين السود. وأدى هذا إلى تحول سياسي زلزالي آخر، إذ ترك الناخبون البيض الحزب الديمقراطي بأعداد قياسية وتحولوا إلى الحزب الجمهوري، ومع حماية الساسة في واشنطن لحقوق التصويت للسود استغلت هذه الغالبية الجمهورية الناشئة المخاوف من الديمقراطية والمساواة بين الأعراق، وقرر المحافظون تحويل ولايات الجنوب إلى ولايات جمهورية من خلال ربط حقوق الأقليات بما يعدونه قمعاً لحقوق البيض.
إعاقة الحقوق المدنية
ولم يكن الجنوبيون وحدهم من سعوا إلى التراجع عن الثورة التي أتاحها قانون حقوق التصويت وقانون الحقوق المدنية، فقد ساعد الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون في هذه العملية من خلال وعده للجنوبيين بأنه لن يفرض الحقوق المدنية. ووفقاً لتقارير إعلامية تعهد نيكسون في اجتماع سري مع السيناتور ستروم ثورموند المؤيد للفصل العنصري، بإعاقة إنفاذ قانون الحقوق المدنية.
وبحلول أوائل الثمانينيات، استخدم الرئيس رونالد ريغان (جمهوري) خوف البيض المتزايد من النفوذ السياسي للأميركيين من أصل أفريقي لصالحه، ووفقاً لخبير حقوق التصويت جيسي رودس استخدمت إدارة ريغان السيطرة على البيت الأبيض والكونغرس لإعادة تنظيم قسم الحقوق المدنية بوزارة العدل والمحكمة العليا، بهدف تقويض كيفية تطبيق واشنطن لقانون حقوق التصويت دون الظهور بصورة عنصرية صريحة، وكانت إحدى استراتيجيات إدارة ريغان هي ربط حقوق التصويت للأقليات بما يسمى التمييز العكسي، إذ زعموا أن القوانين التي تمنح الأقليات امتيازات تميز ضد الناخبين البيض.
التاريخ يعيد نفسه
لكن المتخصص في مجال السياسة والحكم في كلية هاميلتون فيليب كلينكنر يرى أن غالبية الأوامر التنفيذية التي أصدرها دونالد ترامب خلال الأيام الأولى من ولايته الثانية تبدو وكأنها جهد غير مسبوق لتقليص الديمقراطية وحقوق وحريات المواطنين الأميركيين، ومع ذلك فهي ليست غير مسبوقة إذ لم يكن التاريخ الأميركي مسيرة ثابتة نحو قدر أعظم من المساواة والديمقراطية والحقوق الفردية، إذ تنافس التزام أميركا بقيم ليبرالية مع مجموعة بديلة من القيم غير الليبرالية التي ترى أن المواطنة الأميركية الكاملة ينبغي أن تكون محدودة بالعرق والإثنية والجنس والطبقة.
ويعد المثال الأكثر شهرة على هذا الصراع هو عصر ما يسمى “جيم كرو”، وهو نظام قوانين فرض الفصل العنصري في الولايات المتحدة من ثمانينيات القرن الـ19 حتى ستينيات القرن الـ20، وسميت القوانين على اسم شخصية من عروض مسرحيات غنائية عنصرية، وفرضت هذه القوانين الفصل العنصري في المدارس والمتنزهات والمكتبات ووسائل النقل العام وحظرت الزواج المختلط، وأجبرت الشركات على فصل العملاء البيض والسود وحرمت السود من حق التصويت وشغل الوظائف والحصول على التعليم، وواجه من تحدوا هذه القوانين الاعتقال والغرامات والسجن والعنف والموت، وهي الفترة التي وصفها الرئيس ليندون جونسون خلال ستينيات القرن الـ20 بأنها الإرث المنهك من التعصب والظلم.
وبحسب المتخصص في مجال العلوم السياسية بجامعة بنسلفانيا روجرز سميث، تسعى إدارة ترامب إلى التراجع عن التزام أميركا بالمساواة والانخراط في جهد واسع النطاق، للحد من حقوق وحريات وفوائد الديمقراطية لجميع الأميركيين.
بينما يتوقع أن تواجه قرارات وأوامر إدارة ترامب تحديات قانونية عدة، يرى أكاديميون أن 60 عاماً من التقدم في توسيع الحقوق يتراجع الآن بسبب ترامب
تقدم وتراجع
وبنظرة تاريخية، جاءت أكبر المكاسب في مجال حقوق الأميركيين من أصل أفريقي أثناء الثورة الأميركية والحرب الأهلية والحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، عندما واجهت الولايات المتحدة أعداء اعتقد الأميركيون أنهم يتناقضون مع قيمها الليبرالية مثل الملكية البريطانية ومالكي العبيد في الجنوب، والديكتاتوريين الفاشيين والطغاة الشيوعيين، وخلال هذه الفترات سلطت الولايات المتحدة الضوء على التزاماتها بالديمقراطية وحقوق الإنسان كوسيلة لتمييز نفسها عن أعدائها.
ولكن بمجرد أن تلاشت ضغوط الحرب، أعادت القيم غير الليبرالية في أميركا تأكيد نفسها، ومع نهاية الحرب الثورية والحرب الأهلية توقفت الحركة من أجل تحقيق قدر أعظم من المساواة، وتراجع عدد من المكاسب السابقة، ومع ذلك أجبرت الحرب العالمية الثانية ثم الحرب الباردة الأميركيين على تجديد التزامهم بالديمقراطية وحقوق الإنسان لجميع الأميركيين مرة أخرى، إذ ساعدت الحكومة الفيدرالية في ضمان الحقوق المدنية وحقوق التصويت للأميركيين من أصل أفريقي، وأرست هذه الجهود الأساس لتعزيز الحقوق السياسية والمدنية للنساء، والمجموعات العرقية والإثنية الأخرى والمهاجرين والأشخاص ذوي الإعاقة.
لكن هذه التغييرات أثارت ردود فعل عنيفة وبخاصة في الحزب الجمهوري، الذي انحاز بصورة متزايدة إلى أولئك الذين يسعون إلى التراجع عن مكاسب الديمقراطية والحريات، وحتى قبل أن يترشح ترامب للرئاسة للمرة الأولى بدأ الحزب الجمهوري في تبني سياسات قومية معادية للهجرة، لكن خلال عام 2016 ارتقى ترامب إلى ترشيح الحزب الجمهوري من خلال تضخيم وجهات النظر العنصرية وكراهية الأجانب لدى عدد من الأميركيين البيض، بما في ذلك الادعاء بأن باراك أوباما ولد خارج الولايات المتحدة وأن المهاجرين المكسيكيين مجرمون ومغتصبون، وأن الولايات المتحدة يجب أن تغلق حدودها أمام أي شخص من البلدان الإسلامية.
ومنذ توليه منصبه للمرة الثانية، أطلق ترامب جهداً واسع النطاق على سياسات التنوع والمساواة والإدماج، التي عدَّها سياسات عنصرية في حد ذاتها لأنها تجلب للأميركيين البيض العار والازدراء من خلال تركيز ترامب فقط على “مجتمع الميم” من دون أي اعتبار للفئات الأخرى، التي تتضرر من إلغاء هذه البرامج مثل الأقليات العرقية والنساء والمعاقين وغيرهم، بما في ذلك إلغاء أمر تنفيذي عمره 60 عاماً وقعه الرئيس جونسون ويقضي بالعمل الإيجابي لإنهاء التمييز الواسع النطاق من قبل الحكومة الفيدرالية.
القدرة على المقاومة
من المؤكد أن مثل هذه السياسة ستمنع الجامعات والمدارس من معالجة التمييز العنصري والعرقي والتي أثرت في ماضي أميركا وحاضرها، لكن في نهاية المطاف ستبت المحكمة العليا الأميركية في عدد من هذه القضايا، وهي نفسها المحكمة التي كانت في عهد رئيس القضاة جون روبرتس على استعداد لإلغاء سوابق الحقوق المتساوية الراسخة.
ومع ذلك، فإن معظم الجهود لإنهاء التمييز وفتح الأبواب لجميع الأميركيين لا تزال تحظى بشعبية، ولهذا تظل الرهانات قائمة في أن تمنح الإصلاحات التي حدثت خلال الماضي عدداً أكبر من الأميركيين القدرة على مقاومة السياسات التي تنتهك القيم والمصالح الأميركية.