حرية ـ (26/2/2025) – سيف الدين احمد
في وسط بغداد وعلى بُعد خطوات قليلة من شارع الرشيد في منطقة الشورجة يبرز جامع مرجان كواحد من أهم المعالم التاريخية التي تختزل في تفاصيلها العمارة الإسلامية وتراث بغداد العريق.
يُعد هذا المسجد من أقدم المساجد العراقية حيث شُيِّد في عام 758 هـ/ 1356 م على يد أمين الدين مرجان بن عبد الله السلطاني، أحد مماليك السلطان أويس بن حسن الجلائري. وكان الهدف من بناء الجامع آنذاك تأسيس مدرسة فقهية لتدريس المذاهب الأربعة، مع تخصيص الأوقاف لدعم العملية التعليمية.
على مر القرون مرّ الجامع بتغييرات عديدة، بدءاً من احتوائه على مدرسة علمية ومستشفى خاص بطلبة العلم المطل على نهر دجلة وصولاً إلى تحوله لمسجد جامع بعد وفاة مؤسسه أمين الدين مرجان ودفنه في قبة بنيت فوق قبره. إلا أن هذه القبة هُدمت في وقت لاحق في عام 1365 هـ/ 1946م ضمن توسعة شارع الرشيد، مع أجزاء كبيرة من الجامع والمدرسة.
اليوم، لم يتبقَّ من المبنى الأصلي سوى بوابته الأثرية ومنارته التاريخية التي لا تزال شاهدة على عظمة العمارة العباسية. أما باقي هيكل الجامع، فقد أُعيد بناؤه في منتصف القرن العشرين، ويشمل مسجداً حديث الطراز تبلغ مساحته نحو 1500 متر مربع، ويستوعب حوالي 1200 مصلٍ. كما يحتوي المصلى على ثلاث قباب، اثنتان صغيرتان وواحدة كبيرة، مما أضفى عليه طابعًا هندسيًا فنيًا مميزًا.
على مر العقود، استضاف جامع مرجان العديد من العلماء والشيوخ الذين أثروا الحياة الثقافية والعلمية في بغداد. كان من بين هؤلاء الشيخ نجم الدين الواعظ، الذي شغل منصب الإمامة والخطابة في الجامع في عام 1947م، حيث كان يلقي دروس الوعظ والإرشاد في مجلس حافل بأهل العلم والأدب. كما درس فيه كبار العلماء مثل الحاج موسى سميكة، والشيخ أبو الثناء الآلوسي، ونعمان الآلوسي.
ورغم الأهمية التاريخية والثقافية لهذا الجامع، إلا أن أعمال الترميم والتجديد التي شهدها في العقود الأخيرة لا تزال تثير الجدل. فعلى الرغم من الترميم الذي قامت به وزارة الأوقاف في عام 1392 هـ/ 1973 م والذي شمل القباب والسياج الخارجي، إلا أن المحاولات المستمرة لتوسعة شارع الرشيد في الثلاثينيات كادت أن تؤدي إلى هدم الجامع بالكامل. كانت المناوشات بين الحكومة ودائرة أمانة بغداد مستمرة حول موقع الجامع الذي يدخل كقوس في الشارع، ولولا تدخل مديرية الآثار العامة وبعض المثقفين والعلماء في بغداد، لتم تهديمه.
إحدى أبرز هذه الحوادث كانت عندما عقد أحد أمناء العاصمة مؤتمراً صحفياً وأعرب عن استغرابه من الاهتمام الشديد بجامع “عتيق وخرب”، قائلاً إنه على استعداد لبناء جامع أكبر وأفخم مكانه، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية حينها، وأسهم في تأجيل تهديم الجامع. الصحف آنذاك أبدت تعاطفًا مع فكرة المحافظة على التراث، مشيرة إلى أن الحفاظ على جامع مرجان كأثر ثقافي وتاريخي هو ضرورة لا تقل أهمية عن بناء مسجد جديد.
في النهاية، يبقى جامع مرجان واحداً من المعالم العراقية التي تستحق المزيد من الاهتمام والعناية. هذا الإرث المعماري والتاريخي يقف شاهدًا على عصور من المجد، ويجب أن يُحافظ عليه للأجيال القادمة كجزء من الهوية الوطنية والثقافية للعراق.








