حرية ـ (27/2/2025)
لا تتدثر المرأة الأمازيغية بالزي التقليدي فقط من أجل ستر الجسد أو التزين والتجمل والتأنق، بل هو أيضاً لباس تراثي وتاريخي يحمل في طياته دلالات تعكس تفاصيل الحياة الفلاحية وإيقاع الطبيعة ونظام العلاقات الاجتماعية لأمازيغ المغرب.
يعد باحثون الزي الأمازيغي للمغربيات يتجاوز كونه قطعة من أقمشة أو أزياء مزركشة إلى كونه تحفة فنية وإبداعية فريدة، كما أنه رمز اجتماعي وتاريخي أيضاً، إذ كانت الأمازيغيات يهربن السلاح عبر حليهن إلى المقاومين للاستعمار الفرنسي.
ويقدر نشطاء نسبة الأمازيغ في المغرب بـ65 في المئة من مجموع سكان المملكة الذي يقارب 37 مليون نسمة، فيما يفيد تقرير المندوبية السامية للتخطيط أن نحو 25 في المئة من المغاربة يتحدثون اللغة الأمازيغية.
أزياء وألوان
تنسجم قطع اللباس التقليدي الأمازيغي النسائي في المغرب بصورة متناغمة من حيث الشكل واللون، إذ يعطي هذا الزي للمرأة الأمازيغية التي ترتديه نوعاً من الرونق والجمال الطبيعي الأخاذ، فضلاً عن الحشمة والوقار الذي يغلف مرتديات هذا الزي التراثي الذي لم تغفل عنه يد العصرنة والتحديث.
وتعتمد إطلالة الزي النسائي الأمازيغي التقليدي على عدد من الألبسة والقطع الرئيسة التي لا محيد عنها في “تشكيلة هذا اللباس” الذي تفوح منه ملامح الهوية والثقافة الأمازيغية، لعل أبرزها “الصاية” التي لديها تسميات أمازيغية عدة وتجمع بين ثنائية البساطة والأناقة معاً.

هذه الأثواب التقليدية وألوانها “تعكس مكانة المرأة ووظائفها الاجتماعية”
وعلى رغم اختلاف شكل “الصاية” باختلاف المناطق الأمازيغية في المغرب، لكن سماتها المشتركة تتمثل في كونها ثوباً واسعاً فضفاضاً مصنوعاً من قماش مريح الملمس، ومزركش بتطريزات أمازيغية مختلفة تدل على معانٍ ثقافية وحضارية.
وتهيمن ألوان من قبيل الأبيض والأحمر والأزرق والأخضر على زي “الصاية” الأمازيغية التي ترتديها النساء الأمازيغيات مع حزام تقليدي، وكثيراً ما ترتديها مزينة بحلي فضية تشتهر بها منطقة سوس، وبخاصة مدينة تزنيت التي تعرف بعاصمة الفضة بالمملكة.
وترتدي الأمازيغيات في جهات سوس والريف ومناطق الأطلس “الصاية” بتشكيلاتها وتفريعاتها المختلفة في عدد من المناسبات الأسرية السعيدة مثل حفلات الزفاف والعقيقة، وأيضاً في المهرجانات والحفلات العامة.
وللزي الأمازيغي النسائي طلة جميلة ومتكاملة من أعلى رأس المرأة إلى أخمص قدميها، فالحذاء يكون من الجلد ذي الجودة العالية، وبتطريز أصفر في الغالب ويسمى “تيرشاسين”، بينما الرأس يكون مغطى بمنديل مزركش الألوان يدعى “تاسبنيث”.
وأما الحزام الذي يسمى “أسثاو” فيكون في الغالب أسود اللون أو أحمر أو باللونين معاً، ويساعد المرأة الأمازيغية الذي تلفه حول خصرها على تحمل المشاق ومتاعب حمل الأشياء الثقيلة وأشغال الزراعة.
وتزين الزي الأمازيغي النسائي أكسسوارات من أساور وأقراط مزخرفة بنقوش هندسية بديعة، وخواتم ترمز إلى معتقدات أمازيغية أو تدل على إيقاعات الطبيعة، وقلائد مصنوعة من الأحجار الملونة من قبيل العنبر والمرجان.
وتفيد المعطيات التاريخية بأن النساء الأمازيغيات كن خلال فترة الاستعمار الفرنسي للبلاد يقمن بتهريب الرصاص أو البارود عبر هذه الحلي خلسة عن أعين الجنود الفرنسيين إلى رجال المقاومة.
دلالات وأبعاد
يقول الباحث والناشط الأمازيغي أحمد عصيد إن اللباس الأمازيغي رمز لأصالة الإنسان الأمازيغي وارتباطه بأرضه منذ أقدم العصور، وسواء كان لباس الرجل أو المرأة فهو يحمل كثيراً من الدلالات التي تعكس تفاصيل الحياة الفلاحية وإيقاع الطبيعة ونظام العلاقات الاجتماعية.
وتوقف عصيد عند دلالات ألوان الأثواب حسب المناسبة، والتي من أهمها “أحايك” النساء ذو اللون الأبيض رمز الفرح والاحتفال، أو جلباب الرجال الذي يتخذ أيضاً اللون الأبيض للاحتفال بالمناسبات البهيجة، أو الحلي التي تتنوع تنوعاً شديداً من منطقة إلى أخرى.

كانت الأمازيغيات يهربن السلاح عبر حليهن إلى المقاومين للاستعمار
ووفق المتحدث ذاته، فإن هذه الأثواب التقليدية وألوانها “تعكس في دلالاتها دور المرأة ووظائفها الاجتماعية ومركزها كذلك”، مشيراً إلى أن “المجتمع التقليدي في العالم القروي خصوصاً حافظ على الأشكال الأصيلة للباس والحلي”.
واستطرد عصيد أن اللباس الموحد أثناء الرقص الجماعي يرمز إلى قيم التضامن والتعاون في مواجهة الحاجات المعيشية اليومية، كما يعكس معنى “تيويزي” العمل الجماعي التضامني.
ومضى عصيد قائلاً “إذا كانت بعض الحلي الأمازيغية ذات وظائف في مرحلة تاريخية معينة مثل الخنجر الفضي للرجال الذي كان يستعمل للدفاع عن النفس، فإنه اليوم يستعمل للزينة والأناقة والاحتفال”.
وذهب إلى أن “بعض المناطق المنعزلة حافظت على اللباس المحلي التقليدي بشكله الأصلي، لكن المناطق الأكثر عرضة للتأثيرات الخارجية عرفت تطوراً ملحوظاً في شكل اللباس وألوانه على رغم الاحتفاظ بملامحه الأصيلة”.
صحوة هوياتية
هذه التأثيرات الخارجية لبعض المناطق الأمازيغية التي تحدث عنها عصيد دفعت إلى إدخال “تطورات” على شكل الزي الأمازيغي النسائي، فما مدى ارتباط أو التزام أمازيغيات المغرب خلال الوقت الراهن بارتداء هذا اللباس الأمازيغي؟
يجيب الباحث والكاتب الأمازيغي لحسن أمقران بأنه لا يمكن إنكار أن هناك ارتباطاً للأمازيغيات بالزي التقليدي خصوصاً في مناطق الجنوب والجنوب الشرقي أكثر من غيرهما، فالأزياء الأمازيغية متنوعة بصورة كبيرة وتعكس الهوية الجغرافية والقبلية وحتى الاجتماعية للمرأة، مبرزاً أن المرأة الأمازيغية تفتخر ليس بالزي في حد ذاته بل بدلالاته وامتداداته، إذ يمكنها أن تسرد تفاصيل تهم تاريخ الزي وتحليل ألوانه ورموزه وامتداده الحضاري مهما كان مستواها الثقافي.

يعطي هذا الزي للمرأة التي ترتديه نوعاً من الرونق والجمال الطبيعي الأخاذ
واسترسل المتحدث أن “الارتباط قائم وبخاصة مع الصحوة الهوياتية والمصالحة مع الذات اللتين ميزتا العقود الأخيرة، إذ تحرص النساء على إثبات خصوصيتهن من خلال هذا الزي”، مستدركاً أن الأزياء التقليدية كانت محل تحديث من خلال إدخال تحسينات تهم الحجم والخياطة والألوان وغيرها، وهي تحسينات فرضتها ظروف موضوعية.
ونبه أمقران إلى أنه “لا يستقيم الحديث عن الالتزام بالزي التقليدي خارج إطار الطقوسية التي تفرضها على المناسبات وبخاصة الأعراس واللقاءات الثقافية، ففي الأعراس على سبيل المثال لا يسمح بالمشاركة في الرقصات بغير الأزياء التقليدية”.
ولفت الباحث إلى أن الأزياء الأمازيغية استفادت بصورة كبيرة من التثمين والرسملة، إذ أسهم توفيرها في الأسواق بإقبال النساء عليها، بدليل رواج “اللبسة السوسية” التي استطاعت أن تغزو المغرب من شماله إلى جنوبه.