حرية ـ (27/3/2025)
إبراهيم العريس
كان ذلك في عز واحدة من الحقب السينمائية التي أوصل فيها كبار مبدعي السينما، قبل أن يرحلوا واحداً بعد الآخر، سينما الذات والبوح إلى ذراها. لقد حدث حينها أن ثلاثة من أساطين الإبداع السينمائي وهم على التوالي، الإيطالي فدريكو فلليني والبولندي اندريه فايدا ومن بعدهما السويدي الكبير إنغمار برغمان، رأوا في التمارين الموسيقية ومن خلال شخصية مدير العمل سواء كان موسيقياً أم مسرحياً، مناسبة للتوجه ببعض الأفكار التي يمكن أن تشكل وصية ما في خاتمة المسار الإبداعي لكل منهم. وكان ذلك تباعاً من خلال ثلاثة أفلام حققوها من دون أن يبدو عليهم وكأن الواحد منهم يتبع خطى الآخرين وإن كان ثمة تشابه وتقاطع بين الأفلام الثلاثة: “تمارين الأوركسترا” (1978) لفلليني، و”قائد الأوركسترا” (1980) لفايدا، وأخيراً “بعد التمرين” الذي كان في عام 1994 الفيلم الما قبل الأخير لبرغمان الذي حول البيئة من موسيقية إلى مسرحية. وقدم بدوره، كزميليه، نوعاً من وصية فنية قوامها خلفيات العمل الفني لا احتفالاته الضخمة. ولئن كان فيلم برغمان يبدو في تبسيطيته، في نهاية الأمر وكأنه واحد من أقل أفلام برغمان تعقيداً. ومن الواضح أن ذلك التبسيط أتى مقصوداً هنا من فنان أراد من الفيلم أن يكون “متحف بساطة” لذكرياته يحاسب نفسه من خلاله، وفي اعتقادنا أنه أفلح في ذلك بالنظر إلى أن الفيلم الذي قد يوحي في عنوانه وأجوائه أنه فعلاً فيلم استراحة بعد تمرين شاق، سيبدو في نهاية المطاف فيلماً يختم كل ذلك “التمرين” الذي كانته الحياة وكانه الفن وكانته السينما خصوصاً بالنسبة إلى فنان لم يفرق أبداً بين حياته وفنه، وها هو يقولها لنا اليوم بكل صراحة في فيلمه، الذي يمكننا اعتباره “الأخير” بالنسبة إليه بمعنى من المعاني.

فدريكو فلليني (1920 – 1993): خطوة سياسية نادرة
القائد – الدكتاتور
في فيلم برغمان لم يكن لدينا قائد أوركسترا يمكن الترميز من خلاله، كانت الشخصية المحورية شخصية مخرج مسرحي يستريح عند مبتدأ الفيلم ليخلد إلى نفسه متأملاً في حياته ومسيرته الفنية كما اعتاد برغمان نفسه أن يفعل في ممارسة خلال عمله المسرحي الحقيقي، تبدو معتادة لديه. لكنه اليوم تتبدل في مسارها من خلال استعادة المخرج علاقاته بعمله، ولكن من خلال انفتاح ذكرياته على قصص بادية الحميمية في حياته. وهو ما يفرقه عن الشخصيتين المحوريتين في فيلمي فايدا وفلليني حيث “البطولة” معقودة في كل من الفيلمين لقائد أوركسترا، مما يفتح المجال على ترميز أقل حميمية في الحالتين وربما أيضاً على أبعاد سياسية لا علاقة لفيلم برغمان بما يدنو منها. ولئن كان هذا ينطبق من طرف “خبيث” على فيلم “تمرينات الفرقة”، فإنه ينطبق بصورة أكثر مباشرة على فيلم فايدا. فنحن في فيلمه “قائد الأوركسترا” أو “القائد” كما عنون في بلدان عديدة توخيا لتعميم ذي دلالة، أمام أمثولة تكاد تكون سياسية تماماً.

بوستر فيلم “تمارين موسيقية”
عودة البولندي الغائب
ففي هذا الفيلم يلعب الشكسبيري الإنجليزي المسرحي الكبير سير جون جيلغود دور يان لاسوكي، وهو قائد أوركسترا بولندي المولد ومشهور عالمياً، عاش وعمل في الخارج على مدار 50 عاماً ماضية، وها هو يعود خلال أحداث الفيلم لبولندا لقيادة أوركسترا إقليمية احتفالاً بعيد ميلاده. يكون السير جون على ما يرام ما دام أنه يتحدث الإنجليزية، ولكن عندما يتعين عليه التحول إلى البولندية، كما يفعل كثيراً، فإن الصوت الذي ينبثق يكون من مستوى مختلف تماماً وبطريقة توصف بأنها جمهورية بولندية. لا علاقة للصوت بالممثل الإنجليزي الأكثر موهبة، إذ يبدو الدور الذي يلعبه أحياناً لا علاقة له بالفيلم، فهو ليس أكثر من مجرد أداة ففي النهاية ينصب اهتمام وايدا الرئيس على بولندا، ممثلة في عازفة الكمان الثانية الجادة، ومارتا (كريستينا ياندا)، التي كانت والدتها، منذ سنوات عديدة، الحب الكبير لقائد الأوركسترا المهاجر القديم. مارتا، التي تعد سبب عودته، متزوجة من آدم، قائد الأوركسترا الطموح الذي سيخلفه يان لاسوكي في البث الدولي. من الواضح منذ البداية أن هناك خطباً ما في زواج مارتا، لكنها لم تستطع فعل شيء حيال ذلك إلا بعد أن أدركت الفرق بين مشاعر يان لاسوكي تجاه موسيقاه ومشاعر زوجها. للوهلة الأولى إذاً، نجدنا وسط حكاية عاطفية عن “علاقة مثلثة” ولافت أن وايدا اختار لفيلمه أن يكون هزلياً يلعب على مستويات عدة منها التقدم في السن ومنها اللغة، ولكن أيضاً التغيرات الأساسية، والسياسية تحديداً، التي تشتغل على انعطافة بولندا في ثمانينيات القرن الـ20، مما يعطي الفيلم نكهة شديدة المكر بالتأكيد.
مكر سياسي مشترك
وهذا المكر هو الذي يشاركه فيه فلليني على أية حال، أو بالأحرى يتشاركه هو مع فلليني بالنظر إلى أن هذا الأخير حقق فيلمه قبل سنوات عديدة من تحقيق فايدا مشروعه. ففي عام 1978 وفي عز الضجيج والرعب اللذين أثارهما اختطاف اليسار الإيطالي المتطرف لرئيس الحكومة آلدو مورو والإجهاز عليه، ولد لدى فلليني مشروعه السينمائي الذي سيبدو في النهاية نوعاً من عمل سينمائي متفرد وفي الأقل في اتسامه ببعد سياسي لا حضور حقيقياً له في سينما المايسترو. والغريب في الأمر أن الفيام، وهو “تمارين الأوركسترا” يبدو للوهلة الأولى من أبعد أفلام هذا المايسترو عن السياسة، لكن ذلك خادع تماماً. ففي النهاية يخيم شبحان على الفيلم: مصير مورو السياسي والحياتي بامتياز، وواقع أن قائد الأوركسترا في الفيلم ألماني صارم ودكتاتوري النزعة يذكرنا خطابه واحتقاره لعازفيه الإيطاليين بهتلر وآريته القاتلة، حتى ولو أن فلليني سينكر ذلك، في نهاية الأمر نحن هنا أمام حبكة سياسية حقيقية: أمام فرقة موسيقية تتمرن تحت قيادة “مايسترو ألماني” على عزف سيمفونية يحمل عنوانها نفسه مشروعاً فكرياً سينمائياً واضحاً: “تمارين الأوركسترا على تقديم سيمفونية انحطاط الغرب من مقام دو دياز كبير”، ونعرف أن العنوان مستعار من كتاب شهير لأوزفلد شبنغلر أعلن هيمنة النازية ومجيء الحرب العالمية الثانية كإنقاذ للغرب من ذلك الانهيار. ومن هنا فإن السياسة، ولمرة فريدة، تهيمن هنا على فيلم لفلليني. ولكن من خلال لعبة سينمائية قوامها انصراف أفراد الأوركسترا إلى عيش حياتهم وموبقاتهم خلال جلسات التمرين لإغاظة قائدهم الذي يقوم بينه وبينهم صراع عبثي هو في نهاية الأمر صراع سياسي.
الفن ضد التوتاليتارية
في الحقيقة إن فلليني لم يرض أبداً بأن يوصف “تمارين الأوركسترا” بكونه فيلماً سياسياً يشجب الدكتاتورية من دون أن يتعاطف مع الموسيقيين أنفسهم على الضد من قائدهم، الألماني ونحن نركز على جنسيته هنا مرة أخرى لأهمية الأمر الذي لم يأت مجانياً بالطبع. ففي ذلك الحين في إيطاليا كان كل إبداع على أية حال لا يستحق هذا التوصيف إن لم يكن سياسياً. ولا بد أن نذكر هنا أن فلليني حقق الفيلم لحساب التلفزة الرسمية الإيطالية، وبدت عليه خيبة أمل كبيرة حين قدمت تلك التلفزة الفيلم في عرض خاص أمام قيادات حزب الديمقراطية المسيحية الحاكم، فوجم المتفرجون مستائين إنما من دون أن يصرح أي منهم بدواعي وجومه. ولكن لا بد أن نذكر هنا بأن الفيلم، على رغم تلك السلبية السلطوية التي جابهته، تمكن من اجتذاب جوائز وتصفيقات كثيرة حيثما عرض في مهرجانات خارج إيطاليا، إذ اعتبر نوعاً من وصية سياسية نادرة في مسار “المايسترو” السينمائي الكبير الذي أبداً لم يكن سبق له أن أدخل سينماه في متاهات السياسات الراهنة، سواء كانت إيطالية أم غير إيطالية، مكتفياً دائماً ولا سيما في أفلامه الاجتماعية وبخاصة الذاتية، بالدنو من السياسة بوصفها عنصراً مؤرخاً مضى عليه الزمن ولا مغبة في أن يحاسبه الفن. أما هنا فالوضع يختلف ولو من خلال عنوان الفيلم – العنوان الثانوي بالطبع – كما من خلال ألمانية – وربما دكتاتورية – قائد الأوركسترا الذي يحمل دلالة فاقعة، ولو أنه بدا أمراً تقنياً أصلاً، تلك الصفة المهنية التي تطلق عليه كاسم له في الفيلم: مايسترو، التي يتعين علينا ألا ننسى لحظة ونحن نشاهد الفيلم، أنها التسمية التي اعتاد أن يحملها فلليني نفسه.