حرية | الخميس 12 آذار 2026
بقلم: أحمد الحمداني
في كل مرة يسقط فيها شاب عراقي، أشعر وكأن التاريخ يعيد كتابة الصفحة نفسها بدم جديد وكأن هذا الوطن، الممتد بين دجلة والفرات، كتب عليه منذ آلاف السنين أن يكون أرض الحضارات… وأرض القرابين أيضاً.
لم يكن العراق يوماً بلداً عادياً في الجغرافيا منذ أن قامت مدن سومر الأولى، كانت هذه الأرض قلب العالم القديم هنا كتبت أول كلمة، وولد أول قانون، وارتفعت أول المدن لكن مع كل هذا المجد، كانت هناك لعنة خفية تلاحق البلاد كل من أراد السيطرة على الشرق، كان عليه أن يمر من هنا.
في كتب التاريخ نقرأ أن جيوش الفرس والرومان تعاقبت على أرض الرافدين، ثم جاء المغول، ثم العثمانيون، ثم البريطانيون كان العراق دائماً الجائزة الكبرى في لعبة الأمم وكلما تغيرت الإمبراطوريات، بقي شيء واحد ثابتاً الشباب العراقي هو الذي يدفع الثمن.
في عام 1258 سقطت بغداد تحت سيوف المغول وقيل إن دجلة جرى بالحبر من كثرة الكتب التي ألقيت فيه لكن المؤرخين نادراً ما كتبوا عن آلاف الشباب الذين سقطوا دفاعاً عن المدينة كانوا مجرد أرقام في كتب التاريخ، مثلما أصبح شباب اليوم مجرد أرقام في نشرات الأخبار.
تمر القرون ويتغير السلاح لكن المشهد نفسه يتكرر في الحرب العراقية الإيرانية، امتلأت الجبهات بآلاف الشباب الذين خرجوا من المدارس والجامعات ليجدوا أنفسهم في خنادق النار بعدها بسنوات قليلة، جاءت الحروب والحصار، ثم حرب 2003، ثم سنوات الإرهاب وكل جيل عراقي يبدو وكأنه يولد وفي قدره معركة لم يخترها والغريب أن الموت في العراق لا يأتي دائماً من حرب واضحة المعالم أحياناً يأتي من صراعات أكبر من حدود البلاد، صراعات بين قوى دولية وإقليمية ترى في العراق ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، حين تتوتر المنطقة، تتحول هذه الأرض مرة أخرى إلى خط تماس، ويصبح الشباب العراقي وقوداً لصراع لا يعرفون حتى بدايته، في كل بيت عراقي تقريباً قصة مشابهة أم تنتظر ابناً لن يعود، أو أب ينظر إلى صورة شاب توقف عمره عند العشرين المدن التي كانت تعج بالحياة أصبحت تحمل في ذاكرتها أسماء شباب رحلوا قبل أن يبدأوا حياتهم.
وأحياناً أسأل نفسي: لماذا دائماً نحن؟
لماذا يصبح الشاب العراقي مجرد رقم في قائمة الضحايا؟ لماذا تتحول أحلامه البسيطة – بيت صغير، عائلة، حياة هادئة – إلى حلم بعيد في بلد يفترض أنه واحد من أغنى بلدان المنطقة؟
ربما لأن العراق، بكل بساطة بلد كبير في موقع حساس ثرواته هائلة، وموقعه يربط الشرق بالغرب، وتاريخه يجعله دائماً مركزاً للنفوذ لذلك فإن الصراع عليه لا يتوقف، حتى لو دفع أبناؤه الثمن جيلاً بعد جيل لكن الحقيقة المؤلمة أن أخطر ما يمكن أن يحدث لوطن ليس أن يتعرض للحروب فقط، بل أن يعتاد عليها حين يصبح موت الشباب خبراً عادياً، وحين تتحول المآتم إلى جزء من الحياة اليومية وتختصر ايام العزاء لكثرة الموتى، عندها يكون الخطر الحقيقي ومع ذلك، يبقى في العراق شيء غريب يشبه المعجزة رغم كل ما حدث، ما زالت المدن تنبض بالحياة، وما زال الشباب يحلمون في المقاهي وعلى ضفاف دجلة، وفي شوارع بغداد والبصرة والنجف والموصل والسليمانية وكل المحافظات الاخرى ما زالت هناك ضحكات تقاوم الحزن ربما لأن العراقيين يعرفون شيئاً واحداً أن هذا الوطن رغم كل الجراح، يستحق الحياة.
لكن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضراً أمام الجميع، في السياسة كما في الإعلام وفي كل قرار مصيري، هو سؤال بسيط ومؤلم في الوقت نفسه:
إلى متى يبقى الشباب العراقي وقوداً لحروب الآخرين؟
إلى متى تكتب قصة هذا الوطن بالدم بدلاً من الحبر؟
ربما سيأتي يوم يقرأ فيه جيل جديد تاريخ العراق فيتعجب من تلك السنوات الطويلة التي كان فيها شباب الرافدين يموتون في صراعات لا تشبه أحلامهم.
في ذلك اليوم فقط قد ترتوي هذه الأرض أخيراً… ليس بالدم، بل بالحياة







