وكالة حرية | الجمعة 15 آب 2025
انهارت يوم الجمعة في جنيف بسويسرا المحادثات الرامية إلى إتمام أول معاهدة عالمية بشأن التلوث البلاستيكي في العالم، مع بقاء الدول منقسمة بشدة حول كيفية التعامل مع الأزمة.
القمة، التي عُقدت في مقر الأمم المتحدة وحضرها مندوبون من أكثر من 180 دولة، كان من المفترض أن تنتهي يوم الخميس بعد عشرة أيام من المحادثات المثيرة للجدل، لكنها امتدت إلى ما بعد الموعد المحدد، إذ لم تتمكن الدول من كسر حالة الجمود.
طالبت أكثر من 100 دولة بفرض قيود ملزمة قانونياً على إنتاج البلاستيك، كما طالب العديد منها باتخاذ إجراءات لمعالجة المواد الكيميائية السامة في البلاستيك.
لكن دولاً قوية منتجة للنفط والغاز مثل السعودية وروسيا عارضت ذلك بشدة، مؤكدة أن على المعاهدة أن تركز أكثر على إعادة التدوير وإعادة الاستخدام وإعادة التصميم، بدلاً من فرض قيود على الإنتاج أو التخلص التدريجي من المواد الكيميائية.
مسودة المعاهدة
قدّم رئيس لجنة التفاوض مسودة المعاهدة في الساعات الأولى من صباح الجمعة بالتوقيت المحلي، لكن المندوبين لم يوافقوا على استخدامها كأساس لمزيد من المناقشات، ما ترك العملية دون مسار للمضي قدماً.
وقالت اللجنة إن المفاوضات ستستمر في تاريخ لاحق، لكن هناك حالة من عدم اليقين العميق بشأن موعدها وشكلها المستقبلي.
وقالت سارة بولش، وهي مسؤولة أولى في مؤسسة «بيو تشاريتابل ترستس»: «من خلال تفويت موعد نهائي آخر لمواجهة أزمة التلوث البلاستيكي المتصاعدة، فإن الدول تعرض صحة الناس والكوكب للخطر».
دورة حياة البلاستيك
كانت الدول قد اتفقت في عام 2022 على التفاوض بشأن معاهدة ملزمة قانونياً للبلاستيك، بهدف معالجة دورة حياة البلاستيك كاملة: من كيفية تصنيعه إلى ما يحدث عند التخلص منه.
مثلّت مفاوضات جنيف الجولة السادسة من المناقشات، وكان من المفترض أن تنتهي العملية في كوريا الجنوبية في ديسمبر كانون أول، لكن المحادثات انهارت في الغالب بسبب مسألة خفض الإنتاج.
شهد إنتاج البلاستيك ارتفاعاً كبيراً خلال العقود الماضية، خاصة البلاستيك أحادي الاستخدام.
ويُنتج نحو 460 مليون طن متري سنوياً، وقد ترتفع المستويات بنسبة 70% بحلول عام 2040 دون سياسات أكثر صرامة، وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
خنق الأنهار والمحيطات
يُعاد تدوير جزء صغير فقط من البلاستيك، أقل من 10% على مستوى العالم، بينما ينتهي الباقي إلى الحرق أو مدافن النفايات أو يخنق أنهار ومحيطات العالم، ما يقتل الحياة البحرية.
مع تحلل البلاستيك، يتفتت إلى جزيئات دقيقة، لا يزيد حجمها على 5 مليمترات.. توجد هذه الجزيئات في كل مكان: في الهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، وفي أنوفنا وأدمغتنا.
تُظهر مجموعة كبيرة من الأبحاث العلمية أن التعرض للبلاستيك يؤثر على البشر طوال حياتهم، من الرحم وحتى سن الشيخوخة، وقد ارتبطت المواد الكيميائية السامة في البلاستيك بمجموعة واسعة من التأثيرات السلبية، بما في ذلك السمنة وأمراض القلب والسرطان والربو ومشكلات الإنجاب.
مشكلة مناخية كبيرة
البلاستيك ليس مجرد قضية صحية وبيئية، بل هو أيضاً مشكلة مناخية كبيرة، إذ يُصنع معظمه من الوقود الأحفوري، وينتج تلوثاً مسبباً لارتفاع حرارة الكوكب طوال دورة حياته من الإنتاج إلى التخلص.
وعلى الرغم من وجود اتفاق واسع على ضرورة معالجة أزمة البلاستيك فهناك انقسامات هائلة حول كيفية ذلك؛ كانت نقاط الخلاف الرئيسية تدور حول ما إذا كان يجب على المعاهدة معالجة إنتاج البلاستيك من المصدر، وفرض قيود على كمية البلاستيك الجديد المُنتج.
أمر حيوي للاقتصاد
ترى العديد من الدول والشركات المنتجة للبتروكيماويات أن البلاستيك أمر حيوي لاقتصاداتها وأرباحها، خاصة مع انتقال العالم بعيداً عن الطاقة الأحفورية نحو الطاقة المتجددة، وتشير إلى الدور الحيوي للبلاستيك في المجتمع، من الأدوات الطبية إلى تغليف المواد الغذائية، وتدفع نحو التركيز على نهاية دورة حياة البلاستيك.
قال ماركو مينسينك، من المجلس الدولي لجمعيات الكيماويات، إن المصنعين ما زالوا «ملتزمين بدعم معاهدة تُبقي البلاستيك في الاقتصاد وخارج البيئة من خلال تعزيز الاقتصاد الدائري: تصميم المنتجات لإعادة الاستخدام وإعادة التدوير، وجمعها في نهاية عمرها، وإعادة تصنيعها إلى منتجات جديدة».
أزمة لا يمكن حلها
لكن العديد من الدول والنشطاء يقولون إن الأزمة لا يمكن حلها دون معالجة الزيادة الهائلة في استهلاك البلاستيك، وإن معدلات إعادة التدوير ظلت منخفضة بشكل كبير لعقود.
قال ممثلو مجموعة واسعة من الدول، وفقاً لتقرير لوكالة أسوشيتد برس، إنهم يشعرون بخيبة أمل كبيرة لمغادرتهم جنيف دون معاهدة.
وألقى بعض النشطاء باللوم على جماعات الضغط الخاصة بالوقود الأحفوري في فشل المحادثات.. وقال غراهام فوربس، المسؤول العالمي عن حملة البلاستيك في منظمة غرينبيس بالولايات المتحدة: «الغالبية العظمى من الحكومات تريد اتفاقاً قوياً، ومع ذلك سُمِح لعدد قليل من الجهات بدفن هذه الطموحات».
وقالت إيرين سيمون، رئيسة قسم نفايات البلاستيك والأعمال في منظمة الصندوق العالمي للطبيعة غير الربحية، إن عدم تحقيق تقدم ملموس في جنيف أمر «مخيب للآمال بشدة».
وأضافت: «هذا الانهيار في المفاوضات يعني أن أزمة البلاستيك ستستمر دون رادع، بينما ينتظر العالم الإجراء العاجل الذي يحتاج إليه بشدة».







