وكالة حرية | الاثنين 16 شباط 2026
يستمر الخلاف الكردي – الكردي في العراق حول منصب رئاسة الجمهورية بوصفه إحدى أبرز العقد السياسية العالقة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدستورية والسياسية لإنهاء هذا الملف. وعلى الرغم من الاجتماع الذي جمع زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني ورئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني الأربعاء الماضي، وسط آمال بتحقيق اختراق، فإن اللقاء انتهى من دون التوصل إلى اتفاق حاسم بشأن تسمية مرشح توافقي، ما يعكس استمرار عمق الخلافات داخل البيت الكردي.
انعكاسات تتجاوز الإطار الكردي
لا تقتصر تداعيات هذا التعثر على التوازنات السياسية داخل إقليم كردستان، بل تمتد إلى مجمل العملية السياسية في العراق، حيث دخلت البلاد فعلياً في مرحلة فراغ دستوري، مع عجز مجلس النواب العراقي عن عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية.
ورغم توجيه رئاسة المجلس دعوتين رسميتين خلال الشهر الماضي، لم تُعقد الجلسات بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني، في مؤشر واضح على حجم التعقيدات السياسية وتداخل المصالح بين الكتل، فضلاً عن توظيف النصاب كأداة ضغط ضمن الصراع السياسي.
تنافس حزبي معقّد
تنحصر المنافسة عملياً بين مرشحي الحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان، حيث يبرز اسم نزار آميدي عن الاتحاد الوطني الكردستاني، في مقابل فؤاد حسين عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، رغم وجود 17 مرشحاً آخر من مختلف القوميات.
وتشير قوى سياسية عراقية إلى أن المعطيات الحالية ترجّح ترحيل حسم ملف انتخاب رئيس الجمهورية إلى ما بعد شهر رمضان، نتيجة صعوبة توصل القوى الكردية، وكذلك بقية القوى السياسية، إلى اتفاق على مرشح واحد يحظى بإجماع نسبي.
تفاهمات أولية بلا حسم
في هذا السياق، يؤكد القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني وفاء محمد كريم أن الاجتماع الأخير بين بارزاني وطالباني أفضى إلى “تفاهم أولي” وليس اتفاقاً نهائياً، موضحاً أن المساعي مستمرة لتوحيد الموقف الكردي عبر اختيار شخصية تمثل مختلف الأطراف.
وأضاف أن التفاهمات شملت الاتفاق على تشكيل مجلس سياسي مشترك يضم الحزبين الرئيسيين، يتولى إدارة الملفات الخلافية، وفي مقدمتها اختيار مرشح رئاسة الجمهورية، إلى جانب معالجة ملف تشكيل حكومة إقليم كردستان المتعطل منذ أكثر من عام، وما خلّفه من تداعيات سياسية وإدارية داخل الإقليم.
تمسك الاتحاد الوطني بالاستحقاق
من جهته، يرى الاتحاد الوطني الكردستاني أن منصب رئاسة الجمهورية يمثل استحقاقاً سياسياً ودستورياً له، وهو ما عبّر عنه القيادي محمود خوشناوه، مؤكداً أن اللقاء مع الحزب الديمقراطي كان إيجابياً من حيث الأجواء، لكنه لم يصل إلى اتفاق نهائي.
وشدد خوشناوه على استمرار الحوار، مع الإبقاء على جميع الخيارات مفتوحة، بما في ذلك احتمال تأجيل الحسم إلى ما بعد رمضان، في حال عدم توفر أرضية توافقية كافية، مؤكداً في الوقت ذاته انفتاح حزبه على أي مسار يضمن شراكة سياسية حقيقية ويخدم الاستقرار في البلاد.
ضغوط الإطار التنسيقي
في المقابل، تكثف قوى الإطار التنسيقي اتصالاتها مع القيادات الكردية لدفعها نحو التوصل إلى اتفاق، حيث أكد عضو الإطار رحيم العبودي وجود تواصل شبه يومي بهدف تسريع الحسم، محذراً من أن استمرار الخلاف ينعكس سلباً على مجمل المشهد السياسي.
وأوضح العبودي أن تأخير انتخاب رئيس الجمهورية يمثل استمراراً لحالة الفراغ الدستوري وخرقاً للمدد المحددة في الدستور، الأمر الذي يؤدي إلى تعطيل بقية الاستحقاقات، وفي مقدمتها تكليف رئيس مجلس الوزراء والمضي في تشكيل الحكومة.
وأشار إلى أن التفاهم الكردي – الكردي يعد مفتاحاً أساسياً لكسر الجمود السياسي، وأن أي تقدم في هذا الاتجاه من شأنه إعادة الزخم إلى العملية السياسية وتحقيق قدر من الاستقرار المؤسسي.
تجاوز المدد الدستورية
ينص الدستور العراقي على انتخاب رئيس الجمهورية خلال 30 يوماً من انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب، إلا أن هذا السقف الزمني قد تم تجاوزه فعلياً، ما يضع العملية السياسية أمام إشكالية دستورية واضحة.
وفي هذا الإطار، دعا مجلس القضاء الأعلى العراقي إلى الالتزام الصارم بالتوقيتات الدستورية الخاصة بانتخاب رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء، محذراً من أن أي خرق قد يهدد الاستقرار السياسي، ومؤكداً ضرورة احترام المدد الدستورية ومنع التدخلات الخارجية حفاظاً على المسار الديمقراطي.
مشهد مفتوح على التعقيد
في ظل استمرار الانقسام الكردي وتباين مواقف القوى السياسية، تتزايد المخاوف من إطالة أمد الشلل الدستوري وتأخير استكمال الاستحقاقات المرتبطة بتشكيل السلطات، في وقت يواجه فيه العراق تحديات سياسية واقتصادية وأمنية متشابكة.
وبين استمرار الحوار والضغوط الداخلية والخارجية، يبقى ملف رئاسة الجمهورية عالقاً عند تقاطع الخلافات الكردية والحسابات السياسية الأوسع، ما ينذر بمزيد من التعقيد في المشهد السياسي خلال المرحلة المقبلة.







