وكالة حرية | الاثنين 16 شباط 2026
تتجه الدول الكبرى نحو تطوير واستخدام الدرونات والأنظمة غير المأهولة لإدارة المعارك من بعيد، ما يحوّل ما كان خيالاً علمياً قبل عقود إلى أحد الأعمدة الأساسية للقوة العسكرية الحديثة. فقد شهد ربع القرن الأخير انتشار أنظمة صغيرة ومنخفضة التكلفة على المنصات الجوية والبرية والبحرية، في تحول واضح في طريقة تفكير الجيوش المعاصرة. وأصبحت هذه الأنظمة تمثل رهاناً أساسياً في ساحات القتال، حيث تعتمد الاستراتيجية الحديثة على الكمّ، والانتشار، والمرونة كعناصر رئيسية لإدارة المعركة.
حرب الفسيفساء… مفهوم جديد للقتال
تستند فلسفة “حرب الفسيفساء” (Mosaic Warfare) إلى استبدال المنظومات العسكرية التقليدية الكبيرة والمكلفة بشبكة متكاملة من الأنظمة الصغيرة والرخيصة. وقد طور هذا المفهوم وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة الأميركية (DARPA)، ويعتمد على دمج منصات مستقلة نسبياً لتشكيل صورة عملياتية متكاملة، تماماً كالقطع التي تشكل لوحة فسيفساء متكاملة.
يتيح هذا النهج إمكانية استمرار العمليات رغم فقدان جزء من الأنظمة أو تعطلها، مع الحفاظ على القدرة العملياتية الكلية. وقد أظهرت النزاعات الأخيرة، لا سيما الحرب الروسية-الأوكرانية، فعالية هذه الاستراتيجية، إذ يمكن للمسيرات منخفضة التكلفة استنزاف دفاعات أكثر تكلفة، مثل الاعتراض بصواريخ باهظة الثمن.
أحدث الأنظمة في معرض الدفاع العالمي 2026
شهد جناح الهيئة العامة للصناعات العسكرية في الرياض عرض طائرة سعودية غير مأهولة من طراز LTM-10، قادرة على تنفيذ مهام دقيقة عبر التحكم الأرضي، بمداها يصل إلى 15 كيلومتراً، وسرعة تصل إلى 160 كلم/س عند الهجوم، مع رأس حربي متشظ يزن 650 غراماً. كما تم عرض قنابل مضادة للتحصينات والأفراد متوافقة مع الطائرات غير المأهولة، وأجهزة مسيرة متعددة المهمات من تايوان، قادرة على الاستطلاع والمراقبة لفترات طويلة.
منصات أخرى مثل الطائرة التكتيكية Kamikaze LM1 تتميز بإمكانية النشر السريع في البيئات المقيدة دون الحاجة إلى مدارج، مع بث فيديو مباشر وزمن تحليق يصل إلى ساعة. كما أظهرت الشركة قدراتها في طائرات متعددة المراوح عالية الحمولة تصل إلى 100 كيلوغرام لأغراض النقل اللوجستي والعمليات الثقيلة.
التحول العقائدي في الحروب الحديثة
أوضح الباحث خالد بن حمدان الحربي أن الأنظمة غير المأهولة تمثل قفزة نوعية في العقيدة العسكرية، تعتمد على ثلاث ركائز أساسية: حماية الأرواح عبر إخراج المقاتلين من خط المواجهة المباشر، الكفاءة الاقتصادية من حيث التصنيع والتشغيل، والتفوق العملياتي من خلال قدرة هذه الأنظمة على الاستمرار في الجو أو البحر لفترات طويلة مع تدفق مستمر للمعلومات.
وأشار الحربي إلى التحديات التقنية، بما في ذلك تطوير الذكاء الاصطناعي واتخاذ القرارات المعقدة، والحرب الإلكترونية، والطاقة والتحمل لضمان أطول فترة تشغيل ممكنة. كما توقّع أن تتطور الحروب نحو تقنيات الأسراب، والعمل المشترك بين الأنظمة غير المأهولة والمأهولة، مع إدارة المعارك عبر غرف تحكم آمنة بفضل الأقمار الصناعية.
شراكات واتفاقيات لتعزيز صناعة الدفاع
أعلنت الشركة السعودية للصناعات العسكرية “سامي” عن إطلاق شركة متخصصة في الأنظمة غير المأهولة، لتطوير مركبات جوية وبرية وبحرية، وروبوتات، وتعزيز قدرات الدفاع المستقبلية. كما شهد المعرض توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات مع كوريا الجنوبية وسلوفاكيا وماليزيا والصومال لتعزيز التعاون الدفاعي متعدد الأطراف، وتوطين الصناعات العسكرية وبناء سلاسل إمداد محلية.
منصة دولية لعرض أحدث الابتكارات
النسخة الثالثة من معرض الدفاع العالمي 2026 في الرياض تعد منصة عالمية تجمع شركات وحكومات وجهات دولية لعرض أحدث الابتكارات الدفاعية، مع عروض جوية وبرية حية، ومساحات للتقنيات الناشئة والأنظمة البحرية، إضافة إلى مشاركة فريق الاستعراض الجوي الكوري الجنوبي “النسور السوداء” للمرة الأولى في الشرق الأوسط، مما يعكس تعاظم البعد الدولي للمعرض.







