وكالة حرية | الاثنين 27 تشرين الاول 2025
“إذا سقط جندي في القتال جراء إصابته، وانتحر آخر بسبب ما مر به من تجارب، فهذا يعني أن لدى كلاهما جُرحا. أحدهما برصاصة، والآخر في ذهنه، لكن هذا يبقى جرحا. إنه جرح غير مرئي”. بهذه الكلمات لخص أخصائي نفسي إسرائيلي عمق المشكلة التي يعيشها الجنود الإسرائيليون الذين شاركوا في حرب غزة خلال العامين الماضيين وتداعياتها على الصعيد النفسي. لكن يبدو أن السلطات لا تعترف بهذه المعاناة ما دفع الجنود إلى الاعتصام ورفع الصوت، جراء ارتفاع موجات الانتحار داخل صفوفهم.
لم تخض إسرائيل منذ قيامها في العام 1948 حربا حشدت هذا العدد الكبير من الجنود أو استمرت لفترة طويلة كهذه الحرب المستمرة منذ أكثر من سنتين. وإلا جانب الخسائر البشرية والمادية، كانت تقارير عدة للجيش الإسرائيلي قد سلطت الأضواء على حجم الصدمات النفسية لدى الجنود.
ففي تموز – يوليو 2025، أشار تقرير إلى أن أجهزة الصحة في الجيش تلقت 9 آلاف طلب إصابة بـ”معاناة نفسية” منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر – تشرين الأول 2023. بالمقارنة، شخص الجيش إصابة 159 جنديا بصدمات نفسية بعد حرب غزة في العام 2014، التي شُنت أيضا ضد حماس واستمرت لأقل من شهرين.
ومنذ أسابيع، يعتصم جنود يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة أمام الكنيست الإسرائيلي احتجاجا على عدم الاعتراف بمعاناتهم والمطالبة بتقليص البيروقراطية في ما يتعلق بالرعاية النفسية. ودُعِي بعض أفراد الحراك الناشئ مرات عدة للإدلاء بشهاداتهم أمام لجنة الدفاع البرلمانية لعرض مطالبهم.
ومن بين المعتصمين ميخا كاتس الذي قال إن 60 جنديا انتحروا في الأشهر الأخيرة، لكن الجيش الإسرائيلي لم يقدم أي أرقام رسمية عن معدلات الانتحار في صفوفه.
ومن بين هؤلاء يوهان دوبنسكي الذي يقول “نحن لا نرغب بقتل أنفسنا، لكننا متعبون ويائسون بعد اختبار أهوال الحرب”.
ويضيف دوبنسكي “يجب الاعتراف باضطراب ما بعد الصدمة كإصابة، تماما مثل الإصابة الجسدية. فهو ليس أقل خطورة، إنه إصابة في الروح”.
من جانبه، يوضح تولي فلينت، وهو أخصائي في علاج اضطراب ما بعد الصدمة الناتج عن القتال، إن تبعات هذه الصدمات واسعة النطاق، مشيرا إلى أن “الناس يتحدثون عن معدل الانتحار، لكنه ليس إلا الجزء الظاهر من مسألة أكبر وأخطر بكثير”.
ويؤكد فلينت إن تبعات الصدمة لا تقتصر على الانتحار “بل نرى أيضا عنفا، عنفا أسريا، نرى عائلات تنهار وأزواجا ينفصلون.. نرى الكثير من الناس ينهارون بأشكال مختلفة”.
ويقول: “إذا سقط جندي في القتال جراء إصابته، وانتحر آخر بسبب ما مرّ به من تجارب، فهذا يعني أن لدى كلاهما جُرحا. أحدهما برصاصة، والآخر في ذهنه، لكن هذا يبقى جرحا. إنه جرح غير مرئي… ويستحق العلاج بالدرجة نفسها”.
أما الضابط يسرائيل بن شطريت، يروي بعد مرور أشهر على عودته من خطوط القتال الأمامية في غزة، إن شبح الحرب ما زال يخيّم على حياته.
وأضاف: “صراخ الجندي طلبا للنجدة… سأظل أسمع ذلك الصراخ دوما في ذهني، أينما تواجدت”، في إشارة إلى جندي عجز عن إنقاذه في ساحة المعركة.
ولفت ضابط الاحتياط إلى أن الكثير من الأمور حوله تجعله يستحضر ذكريات مزعجة وصادمة نفسيا من وقت خدمته العسكرية في غزة، مضيفا: “عندما أسمع صوت طائرة مروحية، أعود مباشرة إلى خان يونس” في جنوب قطاع غزة التي شهدت معارك عنيفة.







