وكالة حرية | الاثنين 16 شباط 2026
الدولة لا تُدار بالانتظار
بقلم: أحمد الحمداني
سيادة النائبة
بعد لقائكِ في برنامج الزميل الإعلامي أحمد ملا طلال، وما ورد فيه من ربط تعطيل جلسات البرلمان بنتائج المواجهة أو التفاهم بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والمرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، فإننا لم نعد أمام تصريح عابر أو تحليل سياسي لحظي، بل أمام فكرة تمس جوهر الدولة العراقية ومفهوم سيادتها، حين يُقال إن الأوساط السياسية تنتظر نتائج التفاوض الإيراني الأميركي قبل المضي في تشكيل الحكومة، وحين يُطرح خيار منح البرلمان إجازة إلى حين اتضاح المشهد الإقليمي، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن واضحة وخطيرة في آن واحد القرار العراقي مؤجل بانتظار الخارج، هنا يكمن الخلل ، الدولة لا تُدار بالانتظار، الدولة تُدار بالفعل السياسي المسؤول، بالاستحقاق الدستوري، وبحسم الخيارات داخل مؤسساتها الوطنية، مجلس النواب ليس مساحة ترقب، ولا منصة انتظار لما ستسفر عنه تفاهمات عواصم أخرى هو أعلى سلطة في العراق هو السلطة الاولى، التشريعية و الرقابية المنتخبة يمنح الحصانة لأعضائه ويمارس الدور الأول دستوريا في صناعة القوانين ومراقبة الأداء التنفيذي. وجوده مرتبط بواجباته، لا بظروف الإقليم.
حين تتوقف هذه الواجبات بانتظار متغيرات خارجية، فإن مفهوم السيادة يتعرض لضربة مباشرة، حتى لو كان الواقع السياسي متشابكا ومتأثرا بعوامل دولية، التأثير شيء وتحويل التأثير إلى مبرر للتعطيل شيء آخر تماما، نعم العراق جزء من بيئة إقليمية معقدة، والتوازنات الدولية تلقي بظلالها على الداخل، لكن تعليق الحياة الدستورية بحجة انتظار نتائج تفاهمات خارجية يخلق سابقة خطيرة لأن التأثير الخارجي يصبح حينها إطارا حاكما، لا ظرفا ضاغطا يمكن التعامل معه من موقع المبادرة، الأخطر من ذلك هو الأثر النفسي والسياسي على الرأي العام عندما يقتنع المواطن أن برلمانه ينتظر نتائج صراع بين واشنطن وطهران، فإن الثقة بالمؤسسات تضعف، والإيمان بقدرة النظام السياسي على إنتاج حلول وطنية يتآكل وهذا التآكل أخطر من أي أزمة عابرة، لأنه يمس أساس العقد بين الدولة والمجتمع.
في حواركِ أُشير أيضا إلى وجود لوبيات داخل البرلمان تتحكم بالتعطيل والعرقلة، وإلى أن الخلافات بشأن مرشح رئاسة الجمهورية ليست وحدها سبب التأخير، بل إن هناك حسابات تتعلق بترشيح السيد نوري المالكي لرئاسة الوزراء، مع احتمالات اعتراضات أو ضغوط خارجية. هذا توصيف لأزمة داخلية مركبة، لكن علاج الأزمات الداخلية لا يكون بتعليقها على شماعة الخارج.
إذا كانت هناك خلافات، فمكانها القاعة البرلمانية إذا كانت هناك ضغوط، فمواجهتها تكون بتوحيد القرار الوطني لا بتأجيله إذا كانت هناك حسابات إقليمية فالتعامل معها يكون من موقع القوة السياسية لا من موقع الانتظار.
السيادة لا تعني الانغلاق، لكنها تعني أن القرار النهائي يصدر من بغداد، لا أن يُعلّق إلى أن تتضح صورة المشهد في عاصمة أخرى يمكن للعراق أن يتأثر، نعم، لكنه لا يجب أن يبدو وكأنه ينتظر الإشارة.
إن توصيف حجم التأثير الخارجي قد يكون قراءة واقعية، لكن تحويله إلى منهج عمل سياسي دائم هو تكريس لحالة الارتهان والسياسة التي تُبنى على الانتظار تفقد تدريجيا قدرتها على المبادرة، وتتحول من فعل قيادي إلى رد فعل دائم.
إلى النائبة إخلاص الدليمي، وإلى جميع القوى السياسية، الرسالة واضحة…
العراق لا يستطيع أن يعيش في وضعية الترقب المستمر
الاستحقاقات الدستورية لا تُؤجل بانتظار تفاهمات دولية
والبرلمان لا يأخذ إجازة لأن الإقليم مضطرب.
قد نتأثر بما يجري حولنا، نعم لكن الدولة التي تنتظر طويلا تفقد قدرتها على القرار.
الدولة لا تُدار بالانتظار.








بوركت استاذ احمد