بغداد – وكالة حرية | الاربعاء 11 شباط 2026
تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها مسارات التفاوض مع تصعيد عسكري مدروس، في مشهد يعكس عمق أزمة الثقة بين أطراف الصراع الرئيسية. فبينما ترفع إيران سقف التحذير من أي هجوم محتمل، ملوّحة بحرب إقليمية شاملة، تمضي الولايات المتحدة في سياسة مزدوجة تقوم على الانخراط الدبلوماسي من جهة، وإظهار القوة العسكرية من جهة أخرى.
تحذير أمين عام مجلس الدفاع الإيراني علي شمخاني من أن أي اعتداء، مهما كان محدوداً، سيُعدّ “بداية حرب واسعة”، لا ينفصل عن إدراك طهران لطبيعة الانتشار العسكري الأميركي المتزايد في المنطقة، ولا سيما الحضور المكثف للقوات البحرية الأميركية في الخليج وبحر العرب، والذي يُنظر إليه إيرانياً بوصفه رسالة ضغط وتهديد في آن واحد.
في المقابل، ورغم حديث أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني عن أن المفاوضات مع واشنطن كانت “جيدة نسبياً”، فإن هذا المسار التفاوضي لا يجري في بيئة طبيعية، بل تحت ظلال حاملات الطائرات، وقواعد عسكرية منتشرة، ورسائل ردع متبادلة تؤكد أن الحوار يجري على حافة الهاوية، لا في مسار تهدئة حقيقي.
واشنطن: تفاوض تحت غطاء القوة
تعتمد الولايات المتحدة مقاربة تقوم على التفاوض من موقع التفوق العسكري، إذ تحاول دفع إيران إلى تقديم تنازلات عبر الجمع بين القنوات الدبلوماسية والضغط الميداني. انتشار قواتها البحرية في الممرات الاستراتيجية، خصوصاً في مناطق عبور الطاقة، يحمل رسائل واضحة مفادها أن واشنطن مستعدة للرد، وأن أي تهديد للملاحة أو المصالح الحيوية سيُقابل بخيارات عسكرية مفتوحة.
إلا أن هذه الاستراتيجية، وإن كانت تهدف إلى الردع، ترفع في الوقت ذاته منسوب المخاطر، إذ تزيد احتمالات سوء التقدير، أو الانزلاق غير المقصود إلى مواجهة أوسع.
الخليج: قلق من حرب لا يريدها أحد
في الضفة الأخرى، تقف دول الخليج العربي في موقع بالغ الحساسية. فهذه الدول، التي ستكون أول المتأثرين بأي صراع مفتوح، تنظر بقلق بالغ إلى التصعيد المتبادل. المخاوف الخليجية لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل تهديد إمدادات الطاقة، واضطراب الأسواق، وتحول أراضيها ومياهها إلى ساحات اشتباك غير مباشرة.
وتدفع هذه الهواجس العواصم الخليجية إلى تفضيل مسارات التهدئة، والعمل خلف الكواليس لتفادي انفجار شامل، إدراكاً منها أن كلفة الحرب ستكون باهظة، حتى على الأطراف غير المنخرطة مباشرة في القتال.
العراق: رفض الانجرار إلى ساحة الصراع
أما العراق، فيجد نفسه مجدداً في قلب معادلة إقليمية معقدة. فبغداد، التي عانت طويلاً من الحروب بالوكالة، تُطلق تحذيرات واضحة من مغبة الانزلاق إلى صراع لا يخدم استقرارها الهش. الموقف العراقي يركز على رفض استخدام أراضيه أو مجاله الحيوي كساحة لتصفية الحسابات بين واشنطن وطهران، مع التأكيد على أولوية الأمن الداخلي وإعادة الإعمار.
هذا الحذر العراقي يعكس إدراكاً عميقاً بأن أي مواجهة كبرى ستضع البلاد أمام تحديات أمنية واقتصادية مضاعفة، وقد تعيد إنتاج سيناريوهات الفوضى السابقة.
اليمن: الجبهة المفتوحة دائماً
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن الدور اليمني، حيث يشكل اليمن إحدى أبرز ساحات الضغط غير المباشر في الصراع الإقليمي. فالتوتر في البحر الأحمر وباب المندب، واحتمالات توسع المواجهة البحرية، يجعلان من اليمن عاملاً مؤثراً في معادلة الردع، سواء عبر تهديد خطوط الملاحة أو توسيع نطاق الاشتباك ليشمل ممرات استراتيجية دولية.
معادلة خطرة
تكشف هذه التطورات عن مشهد إقليمي شديد التعقيد:
إيران تلوّح بحرب شاملة، الولايات المتحدة تفاوض وتضغط بالقوة، الخليج يخشى الانفجار، العراق يرفض التورط، واليمن يبقى ساحة اشتعال محتملة. وبين هذه الأطراف جميعاً، تتآكل الثقة بالوساطات الغربية، وتزداد المخاوف من أن أي خطأ في الحسابات قد يحوّل التهديدات المتبادلة إلى واقع دموي واسع النطاق.
في ظل هذا المشهد، تبدو المنطقة أقرب إلى إدارة أزمة مزمنة، لا إلى تسوية حقيقية، حيث يُستخدم التفاوض كأداة لكسب الوقت، فيما تبقى الحرب خياراً مؤجلاً… لكنه حاضر دائماً.







