وكالة حرية | الاثتين 22 ايلول 2025
يمكن القول إن النظام الاقتصادي الحالي يستند إلى اتفاقية بريتون وودز كأساس ومرجع رئيسي، حيث عُقد مؤتمر بريتون وودز في ولاية نيوهامبشير بالولايات المتحدة عام 1944، وقد أسفرت هذه الاتفاقية عن إنشاء مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي (IMF) لتمويل الدول التي تواجه عجزاً مؤقتاً في ميزان المدفوعات، والبنك الدولي (World Bank) لإعادة إعمار أوروبا ثم دعم التنمية في الدول النامية.
واعتمد النظام النقدي وقتها على جعل الدولار الأميركي العملة المرجعية الدولية، حيث تم تثبيت سعره عند 35 دولاراً للأونصة الذهبية، مع ربط بقية العملات بالدولار بهامش تقلب محدود.
وفي 15 أغسطس 1971، أعلن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ما عُرف بـ«صدمة نيكسون»، حيث أوقف قابلية تحويل الدولار إلى ذهب بشكل أحادي، ما أنهى رسمياً ربط الدولار بالذهب وبدأ عصر النقود الورقية. ويُعاب على هذا النظام أنه مهّد بشكل غير مباشر لمفهوم «اللا قيمة» من خلال طباعة أوراق نقدية دون غطاء ذهبي.
كفاءة النظام الاقتصادي العالمي
مع مرور الوقت، تأكد وجود تهميش متعمد للدول النامية في صناعة القرار الاقتصادي العالمي، على الرغم من أنها الأكثر تضرراً من قضايا مثل التغيرات المناخية التي أسهمت الدول الصناعية الكبرى في تفاقمها، كما أن الدول النامية تُعد المورد الرئيسي للمواد الخام للدول المتقدمة، ويرى البعض أن نظام بريتون وودز انهار فعلياً.
في كتاب «الاغتيال الاقتصادي للأمم»، قدّم جون بيركينز رواية مستندة إلى خبراته شبه المباشرة كمستشار اقتصادي، وطرح رؤية لما أسماه «قراصنة الاقتصاد»، وهم أفراد يروّجون لقروض ومشاريع تنموية ضخمة للدول النامية، ما يجعلها مدينة بشدة للدائنين (مثل البنوك، المؤسسات العالمية، والدول الكبرى). هذا يتيح للشركات والمصالح الأجنبية الوصول إلى الموارد الطبيعية والعقود الربحية، فبدلاً من أن تفيد هذه القروض شعوب تلك البلدان، تتحول إلى أداة لفرض النفوذ الاقتصادي والسياسي.
ولا يختلف ذلك كثيراً عن نظام الأمم المتحدة، حيث يمنح حق الفيتو للدول الخمس الكبرى أولوية في اتخاذ القرارات دون النظر إلى مصالح الدول الأخرى، كما يتم تصنيف الدول وفق تقسيمات غير رسمية ولكنها واقعية إلى «العالم الأول» و«العالم الثالث»، وهي مصطلحات يعتبرها كثير من الباحثين قديمة ومهينة، لأنها تصور هذه الدول على أنها «أقل» أو «متأخرة».
قوة الدولار
وفقاً لتقرير صادر عن صندوق النقد الدولي، كانت حصة الدولار نحو 71% من الاحتياطيات النقدية الدولية قبل إطلاق اليورو عام 1999، وحالياً انخفضت إلى نحو 58% حسب أحدث بيانات صندوق النقد الدولي، وقد يفسّر ذلك المخاوف من صعود مجموعة البريكس.
الابتكار الاقتصادي
في الأدبيات الاقتصادية، يُعرّف الابتكار الاقتصادي بأنه تطبيق أفكار تؤدي إلى مخرجات فعلية تحسّن العملية الاقتصادية. أما الابتكار في الاقتصاد الكلي فيُقصد به هنا الأفكار والأدوات والسياسات الجديدة التي طورت فهمنا أو إدارتنا للاقتصاد الكلي (الناتج، والتضخم، والبطالة، والتجارة الخارجية، والسياسات المالية والنقدية). ومع ذلك، فإن الاعتماد المفرط على برامج صندوق النقد الدولي قد يقلل الحافز الداخلي للابتكار.
هناك مبادرات دولية تُعد نماذج مبتكرة في التمويل، مثل إصدار البنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي لسندات تمويل خضراء عام 2007 لمواجهة التحديات المناخية وتوفير التمويل اللازم، كما أطلقت بعض الدول مبادرات مبتكرة مثل «الصكوك التنموية»، التي تعتمد على عوائد المشروعات التنموية بدلاً من الفوائد، بما يتماشى مع الشريعة الإسلامية. وتُعتبر ماليزيا رائدة عالمياً في سوق الصكوك، حيث أطلقت أول إصداراتها في منتصف التسعينيات (1996 تقريبًا)، وكان جزء منها موجّهاً لتمويل البنية التحتية، وامتد هذا النموذج إلى دول الخليج ومصر. ويمكن اعتبار الصكوك نوعاً من أنواع الابتكار في الاقتصاد الكلي.
انتقادات صندوق النقد
يواجه صندوق النقد الدولي انتقادات بأن سياساته قد تخضع للتسييس، ما يجعلها لا تعبّر دائماً عن مصالح الدول النامية، بل تخدم في كثيرٍ من الأحيان مصالح الدول الغربية الكبرى.
فقد شكّلت الحرب العالمية الثانية النظام الاقتصادي الدولي الحالي، ويرجع ذلك إلى أسباب عدة أبرزها التركيز المفرط على معالجة عجز الموازنة العامة دون مراعاة الآثار الاجتماعية، مثل رفع أشكال الدعم كافة، كما أن تنفيذ هذه السياسات غالباً ما يكون بضغط خارجي أكثر من كونه قراراً داخلياً. ويُضاف إلى ذلك إهمال التنمية الإنتاجية (الصناعة والتكنولوجيا) مقابل الاهتمام بالأرقام المالية فقط دون دراسة التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية. وبالتالي، لا يمكن الحديث عن نجاح أو فشل مطلق.
ودون الخوض في تفاصيل دقيقة، يمكن القول إن تجارب إصلاح الصندوق في دول مثل غانا وزامبيا والأرجنتين واليونان لم تحقق النجاح المطلوب في نظر الكثيرين، حيث اعتمدت على القروض والتحويلات أكثر من النمو الصناعي والتكنولوجي. في المقابل، يرى فريق آخر أن هناك نجاحات وأبرزها تجربة كوريا الجنوبية خلال الأزمة المالية الآسيوية عام 1997.
فقد تعرضت كوريا لانهيار عملتها (الوون)، وحصلت على حزمة إنقاذ من الصندوق بقيمة 58 مليار دولار، وفقاً لموقع صندوق النقد الدولي.
وشملت الإجراءات إصلاح البنوك، وتعزيز الشفافية المالية، وفتح الاقتصاد للاستثمارات، ما مكّن كوريا من سداد ديونها بحلول عام 2001 قبل الموعد المحدد، لتصبح واحدة من أقوى الاقتصاديات الصناعية عالميًا.
ومما سبق، يتضح أن نجاح أي برنامج تعاون مع الصندوق يتطلب طابعاً محلياً، فلا يمكن تحميل الصندوق كامل المسؤولية عن أي فشل اقتصادي في برامج التعاون مع الدول، حتى لو كان هو الجهة المهيمنة في رسم السياسات. لذا، يجب وضع برامج واقعية تراعي الخصوصية الاقتصادية لكل مجتمع لضمان تحقيق تقدم فعلي، وليس مجرد أرقام. ومن هنا، يبرز الحاجة إلى إنشاء وحدة للاقتصاد الابتكاري داخل الصندوق تقدّم حلولاً غير تقليدية للدول النامية.
البدائل المتاحة
البريكس ليس ابتكاراً اقتصادياً بالمعنى التقليدي، لكنه يمثل ابتكاراً في النظام الاقتصادي العالمي من خلال بناء تكتل بديل. وقد جاء تأسيس مجموعة البريكس استجابة لفشل النظام الاقتصادي العالمي الحالي في تحقيق التوازن والعدالة، وسعياً لكسر هيمنة المؤسسات المالية الغربية على النظام المالي الدولي.
وبحسب بيانات موقع البريكس، فإن نسبة الناتج المحلي الإجمالي العالمي (بتعادل القدرة الشرائية) لأعضاء البريكس تبلغ نحو 41% من اقتصاد العالم، مع احتياطيات ذهب تُقدر بنحو 20% من احتياطيات الذهب العالمية. وعلى الرغم من وجود تفاوت بين الدول الأعضاء، يبقى البريكس محاولة جادة ومؤثرة لكسر هيمنة القطب الواحد.
في النهاية، يحتاج الاقتصاد العالمي بلا شك إلى نظام أكثر مرونة وعدالة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة ومواجهة التحديات الاقتصادية، وعلى رأسها التغيرات المناخية.







