وكالة حرية | الثلاثاء 12 آب 2025
احمد الحمداني
في بغداد، لا تحتاج أن تفتش كثيراً عن روحها في الحجر أو في الأرشيف، يكفي أن تنظر في عيني بغدادية واحدة لتجد أن المدينة قد تجسدت أمامك.
هي أنوثة الفراتين، وسرّ دجلة المكنون، ظل النخيل في نظرتها، وعبق الرمان والقداح في ابتسامتها. تمشي على أرصفة المدينة كما لو كانت تعيد إليها شبابها المفقود، فتسحر الحجر قبل البشر، وتلين الأزقة العتيقة بضحكة حانية.
لكن سرّ بغداد لا يكتمل إلا بشبابها، أولئك الفتية والفتيات الذين يملؤون شوارعها بالعلم والحلم. طلبة الجامعات البغدادية، بكتبهم وأحلامهم الكبيرة، يشبهون الجسور التي تربط الماضي بالمستقبل، يخرجون من قاعات الدرس حاملين مشاريعهم وأفكارهم، ليعيدوا كتابة تاريخ هذه المدينة كما يليق بها.
شباب بغداد هم الطاقة التي تتدفق في شرايينها، يملؤون مقاهيها بالنقاشات، ومعارضها بالإبداع، وشوارعها بالمبادرات. إنهم الوجه الآخر للبغدادية… حيوية، أمل، وعناد جميل في مواجهة الخراب.
ولطالما شبّهت بغداد، في عزّ مجدها، بمدينة لندن القديمة؛ ببيوتها التراثية ذات الشبابيك الخشبية، وشوارعها المبلّطة بالحجر، وواجهاتها المزخرفة التي تروي قصصاً من حضارة لم تنطفئ. لكنها اليوم، للأسف، تغيرت كثيراً؛ فقد عبث بها من سمّوا أنفسهم “التصميم الأساس”، الذين أفرغوا شوارعها من روحها، وأفسدوا ملامحها الأصلية كما يفسد الفيروس الجسد السليم.
ومع ذلك، فإن بغداد الجميلة، والبغدادية التي تحملها في قلبها، ما زالتا حاضرتين، وإن كانتا مختربتين، تلوحان من خلف غبار الإسمنت والزحام. ما زالت هناك ضحكة بغدادية على جسر الجمهورية، وفنجان قهوة في مقهى الشابندر، وكتب تُباع على رصيف المتنبي، وأغانٍ تخرج من نوافذ البيوت القديمة في الكرادة و المنصور.
البغدادية ليست مجرد امرأة، إنها بغداد بوجه آخر؛ وبغداد ليست مجرد مدينة، إنها البغدادية بروح أوسع. كلاهما وجه واحد للحسن، وسرّ لا يكتمل إلا بالآخر وحين يجتمعان مع شبابها الواعد، يعود الأمل بأن هذه المدينة، مهما انحنت أمام الريح، ستنهض مرة أخرى.
بمناسبة يوم الشباب، أقولها بفخر ..
عراقُنا أنتم… والمستقبل أنتم… يا شباب العراق، أنتم الحاضر المشرق والقادم الأجمل، وأنتم الأمل الذي نعقد عليه حلم الوطن الكبير







