وكالة حرية | الاحد 31 آب 2025
الدكتور صفاء مهدي الوائلي
تلعب أجهزة المخابرات دوراً دبلوماسياً بالغ الأهمية، خاصة في العلاقات المعقدة أو عندما تكون القنوات الدبلوماسية الرسمية غير كافية أو بطيئة. هذا الدور يتمثل في:
· القنوات الخلفية (Backchannels): تعمل أجهزة المخابرات كقنوات اتصال سرية أو شبه سرية بين الحكومات، خاصة في أوقات الأزمات أو عندما تكون العلاقات علنية ومتوترة. تسمح هذه القنوات بإجراء محادثات صريحة وبدون تكلفة سياسية كبيرة.
· الدبلوماسية الوقائية: من خلال جمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها، يمكن لأجهزة المخابرات تحذير حكوماتها من نوايا الدول الأخرى أو تصاعد الأزمات، مما يمنح الدبلوماسية الرسمية الوقت للتحضير والاستجابة.
· بناء الثقة: الاجتماعات بين رؤساء الأجهزة الأمنية، مثل زيارة السيد الشطري، تهدف إلى بناء جسور من الثقة العملية على أرضية مصالح أمنية مشتركة (مثل مكافحة الإرهاب)، والتي يمكن أن تمهد لاحقاً لاتفاقات سياسية أوسع.
· معالجة القضايا الحساسة القضايا (مثل تبادل الأسرى, الملفات الأمنية شديدة السرية, العمليات ضد الجماعات المتطرفة) يتم مناقشتها بشكل أفضل بعيداً عن الأضواء والإجراءات البيروقراطية للدبلوماسية التقليدية، وهنا يأتي دور المخابرات.
· نقل الرسائل: في كثير من الأحيان، تكون أجهزة المخابرات هي الوسيط لنقل رسائل مباشرة وواضحة بين القيادات السياسية للدول.
يُطلق على هذا النشاط بشكل اصطلاحي عدة تسميات، أبرزها:
· الدبلوماسية الاستخباراتية (Intelligence Diplomacy): وهو المصطلح الأشمل والأكثر دقة. يشير إلى استخدام أجهزة المخابرات كأداة لنقل الرسائل والتواصل ومد الجسور التمهيدية للدبلوماسية السياسية خصوصا مع وجود فراغ في العلاقات الدولية او الدبلوماسية بين البلدين…فالدبلوماسية الاستخباراتية او المخابراتية تعمل على ترميم جسور العلاقات المتضرؤة او تنشئ تلك الجسور في حال غيابها
تاتي زيارة السيد حميد الشطري إلى سوريا كتجسيد عملي للدبلوماسية الاستخباراتية. فجهاز المخابرات، بخلاف وزارة الخارجية، لا يعمل في الضوء العلني، ولكن تحركاته لها ثقل سياسي كبير وتخدم أهدافاً دبلوماسية وأمنية في آن واحد. هذه الزيارة تظهر أن التعاون الأمني هو دائما الركيزة الأساسية والرائدة في إعادة بناء العلاقات بين الدول التي مرت بفترات توتر أو صراع.
تتجسد أهمية زيارة السيد حميد الشطري رئيس جهاز المخابرات العراقي إلى سوريافي؛
- أولوية التعاون الأمني: تؤكد الزيارة أن الملف الأمني هو حجر الزاوية في العلاقة بين بغداد ودمشق حالياً، نظراً للتهديدات المشتركة.
- استعادة السيادة وبناء الثقة: إرسال رسالة مفادها أن البلدين يعملان على تعزيز سيادتهما الوطنية من خلال التعاون الثنائي المباشر لمعالجة ملفات أمنية بالغة الحساسية.
تعتبر هذه الزيارة عملياتية واستباقية بالدرجة الأولى، تعكس إرادة الطرفين لتعزيز التعاون الميداني في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتستخدم آليات “الدبلوماسية الاستخباراتية” لبناء جسور الثقة ومعالجة القضايا العالقة بعيداً عن التعقيدات السياسية والإعلامية، مما يمهد غالباً لاتفاقات أوسع على المستويات السياسية لاحقاً.
بلا شك، زيارة السيد حميد الشطري رئيس جهاز المخابرات الوطني العراقي إلى سوريا هي نموذجٌ بارز وفعّال للدور الذي تلعبه “الدبلوماسية الاستخباراتية” في ترميم وبناء العلاقات بين الدول، وخاصة تلك التي تمر بمراحل معقدة مثل العلاقة بين العراق وسوريا.
ساهمت هذه الدبلوماسية في عملية البناء والترميم من خلال: - كسر الجليد وبناء جسور الثقة (The Thaw)
· المرونة وسرعة الاستجابة: تتمتع أجهزة المخابرات بمرونة أكبر من الدبلوماسية التقليدية، التي غالباً ما تكون مقيدة بالبروتوكولات والإجراءات البيروقراطية. زيارة مثل هذه يمكن ترتيبها بسرعة لمعالجة قضية طارئة، مما يجعلها أداة فعّالة “لكسر الجليد” في العلاقات المتوترة.
· التركيز على المصالح المشتركة: اللقاءات الاستخباراتية تركز على أرضية صلبة من المصالح المشتركة غير القابلة للنقاش (مثل مكافحة الإرهاب، أمن الحدود). النجاح في هذا المجال يبني رصيداً من الثقة يمكن البناء عليه لاحقاً في ملفات أكثر تعقيداً.
- القناة الخلفية الآمنة والمباشرة (Secure Backchannel)
· معالجة الملفات الشائكة بسرية: تسمح الدبلوماسية الاستخباراتية بمناقشة الملفات الحساسة بعيداً عن الأضواء والإعلام، مما يمنح الطرفين مساحة للحديث بصراحة أكبر. هذا ضروري لمناقشة مواضيع مثل:
· تتبع الخلايا الإرهابية العابرة للحدود.
· تبادل المعلومات عن الجماعات المسلحة.
· ملف المعتقلين والمفقودين العراقيين في سوريا.
· مكافحة المخدرات والتهريب.
· نقل الرسائل بدقة: تضمن القنوات الاستخباراتية نقل الرسائل والمعلومات الحساسة بدقة وأمان بين صانعي القرار في البلدين، دون تشويه أو تسريب.
- التمهيد للدبلوماسية الرسمية (Paving the Way)
· تهيئة الأرضية السياسية: النجاح في التوصل إلى تفاهمات أمنية على طاولة المخابرات يخلق حقائق على الأرض يسهل على الدبلوماسيين الرسميين البناء عليها لاحقاً. عندما يثبت التعاون الأمني نجاعته، يصبح من الأسهل الدفع باتفاقيات اقتصادية أو سياسية.
· تخفيف حدة التوترات: معالجة الملفات الأمنية الملحة (مثل الهجمات الإرهابية) عبر قنوات استخباراتية سريعة يمنع تصاعد التوترات بين البلدين ويحافظ على مسار عملية إعادة البناء العلاقات.
- التركيز على السيادة والاستقرار الداخلي (Sovereignty and Stability)
· إرسال رسالة داخلية وإقليمية: تعزيز التعاون الأمني الثنائي المباشر بين بغداد ودمشق، دون وساطات خارجية في هذه المرحلة الحساسة، هو تأكيد على سيادة كل بلاد وإرادتهما في إدارة ملفهما الأمني.
· معالجة التهديدات الوجودية: كلا البلدين يعاني من تهديدات وجودية مشتركة (مخلفات داعش، المخدرات). الدبلوماسية الاستخباراتية هي الآلية الأسرع والأكثر فاعلية للتعامل مع هذه التهديدات بشكل عملياتي، مما يعزز الاستقرار الداخلي لكلا الطرفين.
زيارة السيد حميد الشطري لم تكن مجرد زيارة روتينية، بل كانت تطبيقاً عملياً للدبلوماسية الاستخباراتية في أعلى مستوياتها. لقد عملت هذه الزيارة على:و
· ترميم العلاقة من خلال معالجة الجروح الأمنية المفتوحة (مكافحة الإرهاب، المفقودين).
· بناء مستقبل العلاقة من خلال وضع أطر عملية للتنسيق المستمر وبناء الثقة.
· التمهيد لمرحلة لاحقة يمكن أن تشهد تعاوناً أوسع في المجالات الاقتصادية والسياسية، بعد أن تم وضع حجر الأساس الأمني لها.
هذا النموذج يثبت أن في مراحل ما بعد الصراع، غالباً ما تكون الدبلوماسية الاستخباراتية هي المقدمة الضرورية والرائدة للدبلوماسية السياسية التقليدية







