حرية | الخميس 19 شباط 2026
بقلم: أحمد الحمداني
في كل موسم انتخابي نتحدث عن “بناء الدولة” وفي كل أزمة أمنية نطالب بـ“هيبة الدولة” وفي كل تعثر اقتصادي نبحث عن “دور الدولة”.
لكننا نادراً ما نسأل أنفسنا أي دولة نريد فعلاً؟
وهل نملك الاستعداد لدفع كلفة الدولة التي نحلم بها؟
الدولة التي نريدها في خطابنا اليومي هي دولة النظام الصارم، القضاء المستقل، الإدارة الرقمية، الاقتصاد المنتج، والقرار السيادي الذي لا ينتظر إشارة من الخارج.
أما الدولة التي اعتدنا عليها فهي دولة التوازنات،المجاملات، المحاصصة الناعمة، والحلول المرحلية التي تؤجل المشكلة بدلاً من معالجتها.
الفارق بين الدولتين ليس في النصوص الدستورية، بل في الثقافة السياسية.
نطالب بدولة قانون ،لكننا نتقبل استثناءً صغيراً لأنفسنا.
نريد مؤسسات قوية، لكننا نفضّل أن تُدار عبر “معرفة شخصية” حين يتعلق الأمر بمصلحتنا.
نطالب بمحاربة الفساد، لكننا نصمت إذا كان الفاسد قريباً منا سياسياً أو اجتماعياً.
الدولة الحديثة لا تقوم على النوايا الحسنة، بل على قواعد صارمة تطبق بلا تمييز وهنا تبدأ المشكلة.
في العراق، وبعد أكثر من عقدين على التغيير، لا تزال فلسفة إدارة الدولة أقرب إلى “إدارة توازن” منها إلى “إدارة نظام”.
تُدار الملفات الحساسة وفق منطق احتواء الخلاف، لا حسمه مؤسسياً.
ويُقدَّم الاستقرار السياسي اللحظي على الإصلاح البنيوي طويل الأمد.
هذا ما جعل الدولة تتحرك برد الفعل، لا بالفعل الاستباقي.
تواجه الأزمة حين تقع، لكنها لا تبني منظومة تمنع وقوعها.
الدولة التي نريدها تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة ليست علاقة منّة أو رعاية، بل علاقة تعاقدية واضحة حقوق مقابل واجبات وخدمات مقابل التزام بالقانون ومساءلة مقابل صلاحيات.
لكن هذا النموذج يحتاج إلى مجتمع يقبل أن يُحاسَب كما يُحاسِب وأن يخضع للقانون كما يطالب بتطبيقه.
أخطر ما في الدولة التي اعتدنا عليها أنها خلقت نوعاً من “التكيّف الجماعي” مع الحد الأدنى من الأداء صرنا نعتبر الإنجاز الطبيعي استثناءً ونتعامل مع الفشل كأمر اعتيادي.
ونحتفي بالحل المؤقت كأنه إصلاح جذري وفي الدول التي سبقتنا في بناء مؤسساتها، كان التحول يبدأ من سؤال بسيط:
هل الدولة ملك للأحزاب أم إطار للجميع؟
وهل الوظيفة العامة غنيمة أم مسؤولية؟
إذا كانت الدولة إطاراً عاماً فلا يجوز أن تُدار بعقلية الجزئية.
وإذا كانت الوظيفة مسؤولية، فلا يجوز أن تُمنح كترضية سياسية التحول الحقيقي لا يبدأ بتغيير الأشخاص، بل بتغيير القواعد ولا يتحقق بإزاحة خصم سياسي، بل بترسيخ معايير دائمة لا تتبدل بتبدل الحكومات.
الدولة التي نريدها تحتاج إلى:
إدارة محترفة لا تخضع للمزاج السياسي و برلمان يشرّع بعقل استراتيجي لا بحسابات آنية وقضاء مستقل لا تمارس عليه ضغوط واقتصاد يتحرر من الريع إلى الإنتاج.
لكن قبل كل ذلك، تحتاج إلى وعي عام يؤمن أن الإصلاح لا يُفصّل حسب الهوية، ولا يُطبّق انتقائياً الدولة ليست كياناً منفصلاً عن المجتمع هي انعكاس مباشر لسلوكه وثقافته.
فإذا كنا نريد دولة عادلة، فعلينا أن نكون مستعدين لقبول عدالة لا تستثني أحداً وإذا أردنا دولة قوية، فعلينا أن نقبل أن تكون قوية على الجميع.
السؤال اليوم لم يعد من يحكم؟
بل بأي عقلية نحكم ونُحكم؟
إن أردنا فعلاً دولة حديثة، فعلينا أن نتحرر من “الدولة التي في داخلنا” من عقلية المجاملة ومن ثقافة التبرير ومن فكرة أن الإصلاح يبدأ دائماً بالآخرين.
الدولة التي نريدها لن تولد بقرار فوقي فقط بل بولادة وعي جديد تحتها فالدولة ليست خصماً ننتقده عند الحاجة،
ولا مظلة نلوذ بها عند الأزمات.
الدولة هي مرآتنا وإذا لم تعجبنا صورتها فربما حان الوقت أن نغيّر طريقة وقوفنا أمامها.







