وكالة حرية | الاثنين 15 ايلول 2025
أثار عدد أغسطس/ آب 2025، من مجلة فوغ الأمريكية عناوين الصحف، ليس فقط بسبب غلافه الذي تصدّرته الممثلة آن هاثاواي التي عادت إلى دائرة الضوء بعد تصويرها لجزء ثانٍ من فيلم The Devil Wears Prada، بل لسبب آخر: إعلانات شركة الأزياء الأمريكية Guess.
للوهلة الأولى، لا يبدو أنّ هناك ما يثير الانتباه: امرأة ذات بشرة بيضاء، وشعر أشقر مموّج، ووجنتين متوردتين، وأسنان مثالية تكشف عنها بابتسامة عريضة، تعرض فستانًا مخطّطًا طويلًا مع حقيبة يد متناسقة. وفي صورة أخرى، ترتدي بدلة قصيرة مطبّعة بالزهور مع رباط يحدد خصرها.
لكن في سطر صغير مطبوع على الصفحة، يتبيّن أن العارضة أُنشِئت باستخدام الذكاء الاصطناعي. وقد طوّرت الحملة وكالة سيرافين فالورا، وهي وكالة تسويق بريطانية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تأخذ من لندن مقرًّا لها، سبق وأن ظهر عملها في مجلات مثل Elle وThe Wall Street JournalوHarper’s Bazaar.
وقد أشعل النقاش حول الصور المولَّدة بالذكاء الاصطناعي مستخدم تيك توك @lala4an، إذ حصد مقطع الفيديو الذي نشره عن إعلان Guess أكثر من 2.7 مليون مشاهدة.

أثار ظهور عارضات ذكاء اصطناعي في مجلة فوغ جدلاً واسعًا حول تأثير ذلك على العارضات الحقيقيات اللواتي يسعين لتمثيل أكبر وتنوّع أوسع، وعلى المستهلكين، خصوصًا الشباب الذين يواجهون معايير جمال غير واقعية.
وعلّق أحد مستخدمي تيك توك: “الأمر جنوني، فليس هناك نقص في الأشخاص الراغبين بالعمل في عرض الأزياء”، ليُضيف آخر: “كنا نقارن أنفسنا بعارضات معدّلات بالفوتوشوب.. والآن بنساء لا وجود لهن”؟

دعا البعض إلى مقاطعة Guess وفوغ، فيما لم ترد Guess على طلب CNN للتعليق. وأكدت كوندي ناست أنّ عارضة الذكاء الاصطناعي لم تظهر من قبل في المحتوى التحريري لفوغ، لكن نسخًا دولية مثل فوغ سنغافورة عرضت شخصيات افتراضية في أعداد سابقة.
“ما زلنا نوظف عارضات”
ترى فالنتينا غونزاليس وأندريا بيتريسكو، المؤسِّستان (25 عامًا) لوكالة سيرافين فالورا، أن الجدل حول حملة Guess في غير محلّه. وقالت بيتريسكو في مقابلة مع CNN: “يظن الناس أن هذه الصور صُنعت بالكامل بالذكاء الاصطناعي، وهذا غير صحيح. لدينا فريق عمل، وما زلنا نوظف عارضات حقيقيات.”
وأضافتا أنّ مؤسس Guess، بول مارسيانو، تواصل معهما لإنشاء عارضات ذكاء اصطناعي للعلامة. وبعد مراجعة تصاميم عدّة، اختار مارسيانو عارضة شقراء رقمية (فيفيين) وأخرى سمراء (أناستاسيا) لتطويرهما، وظهرت الاثنتان في إعلانات Guess التي نُشرت في فوغ ومجلات أخرى، بحسب غونزاليس.
ولإنشاء الحملة، استعانت الوكالة بعارضة حقيقية تم تصويرها على مدار أسبوع وهي ترتدي أزياء Guess في الاستوديو. وأوضحت غونزاليس أن هذه الصور ساعدت على تحديد كيف سيبدو اللباس على العارضة الافتراضية: “كنا بحاجة لمعرفة الوضعيات التي تبرز المنتج بأفضل شكل، وكيف يظهر على امرأة حقيقية. لا يمكننا إنشاء صورة من دون فكرة واضحة عن الزوايا الأكثر جاذبية.”
وأوضحت بيتريسكو أنّ الذكاء الاصطناعي يمنح الشركات خيارات أكثر، ويوفر الوقت والمال مقارنة باستخدام عارضة حقيقية. وأوضحت أن سيرافين فالورا بدأت كعلامة مجوهرات، لكن بسبب نقص الميزانية لتوظيف عارضات، ابتكرتا عارضة افتراضية خاصة بهما.
غياب التنوّع
استخدمت علامات أخرى غير Guess عارضات ذكاء اصطناعي، مثل Mango التي أطلقت في يوليو/ تموز الماضي، حملة لملابس المراهقات بعارضة افتراضية، وLevi’s التي أعلنت في العام 2023، تجربة عارضات ذكاء اصطناعي لعرض أشكال وألوان بشرة متنوعة. لكن هذه الخطوات تعرضت لانتقادات، إذ يرى البعض أنها تمنح مظهر التنوع من دون دعم حقيقي، وقد تقلّل فرص العمل للعارضات والمصوّرين وخبراء التجميل.

أشارت علامة Levi’s إلى أنها ما زالت ملتزمة بالعمل مع عارضات حقيقيات، لكن معظم العارضات الافتراضيات لدى سيرافين فالورا يتمتعن ببشرة بيضاء ومواصفات جمال تقليدية. وأوضحت بيتريسكو أن السبب هو طلبات العملاء، وأنهم يختارون ما يلقى تفاعلًا أكبر على إنستغرام.

وترى سارة زيف من منظمة Model Alliance أن القلق من الذكاء الاصطناعي مبرر، مؤكدة ضرورة استخدامه بمسؤولية والتساؤل: “من يحصل على الأجر؟ ومن يتم تجاهله؟”.
مستقبل بعارضات الذكاء الاصطناعي
يشبه انتشار العارضات بالذكاء الاصطناعي صعود المؤثرين الافتراضيين الذين يتعاونون مع علامات كبرى مثل برادا وديور وكالفن كلاين. بعضهم ليسوا من ذوي البشرة البيضاء، لكن صُمموا على يد مبدعين بيض.
في مارس/ آذار، أعلنت H&M إنشاء “نسخ رقمية” لـ30 عارضة حقيقية لاستخدامها في الحملات الإعلانية ومنصات التواصل، مع احتفاظ كل عارضة بحقوق نسختها الرقمية لتتمكن من العمل مع أكثر من علامة في الوقت نفسه. وأكدت الشركة أن نهجها ما زال “يركز على الإنسان” وأن الهدف يتمثّل بتعزيز الإبداع، مع الالتزام بالاستخدام الأخلاقي والمسؤول للتقنية.
وقد جرّبت بعض العلامات الفاخرة الفكرة سابقًا، مثل ديور التي أنشأت نسخة رقمية من سفيرتها أنجيلا بيبي لحضور عرض أزياء في شنغهاي في العام 2021، وبربري التي استخدمت نسخة افتراضية من نعومي كامبل في العام نفسه.
تشير لارا فيريس من وكالة Spring Studios إلى أن هذه التقنية تسمح بإنتاج الصور بسرعة وكميات كبيرة، لكنها لا تمنح الإحساس بالفخامة، بينما يرى مايكل موساندو، مؤسس Lalaland.ai التي تعاونت مع Levi’s، أن الذكاء الاصطناعي يساعد على تمثيل أكبر لأصحاب البشرة الملونة في التسوق عبر الإنترنت، ويؤكد أن العلامات ما زالت تستخدم العارضات الحقيقيات ولا تقلّل من جلسات التصوير التقليدية، لأن العارضات الحقيقيات مكنهن إقامة ارتباط عاطفي مع الجمهور.
وترى فيريس أن التفاعل والشخصية هما ما سيميز العارضات الحقيقيات، فيما يصبح من الصعب التفريق بين الصور الحقيقية وتلك المولدة بالذكاء الاصطناعي. لكن استخدام التقنية قد يشكل خطرًا على العارضات، خصوصًا أنهنّ تاريخيًا، لم يحصلن على حماية كافية. وهنا يأتي دور قانون New York State Fashion Workers Act الجديد، الذي يضع ضوابط لعمل شركات إدارة العارضات ويوفر آليات للشكاوى، مشيرة إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس سيئًا بحد ذاته، لكن من دون ضوابط قد يُستخدم لاستغلال الناس.







