حرية ـ (10/6/2025)
فرضت الصين قيوداً صارمة على تصدير المغناطيسات المقاومة للحرارة، المصنوعة من معادن الأرض النادرة، مما كشف عن نقطة ضعف كبيرة في سلسلة الإمداد العسكري للولايات المتحدة، بحسب تقرير تحليلي لصحيفة “نيويورك تايمز”.
ويرى التقرير أنه بدون هذه المغناطيسات، ستجد الولايات المتحدة وحلفاؤها في أوروبا، صعوبة في إعادة ملء المخزونات التي نُهبت مؤخراً من المعدات العسكرية.
ويقول التقرير: “لأكثر من عقد من الزمن، فشلت أمريكا في تطوير بديل للإمدادات الصينية من نوع محدد من معادن الأرض النادرة، الضرورية لصناعة المغناطيسات المستخدمة في الصواريخ والمقاتلات والقنابل الذكية، والكثير من العتاد العسكري الآخر”.
معدن مجهول لكن حاسم
وتُعد معادن الأرض النادرة قضية محورية في المحادثات التجارية الجارية بين الولايات المتحدة والصين في لندن.
وتنتج الصين الإمداد العالمي الكامل من الساماريوم، وهو معدن نادر وغير معروف يُستخدم بالكامل تقريباً في التطبيقات العسكرية. ويمكن لمغناطيسات الساماريوم تحمّل درجات حرارة عالية بما يكفي لإذابة الرصاص دون أن تفقد قوتها المغناطيسية. وهي ضرورية لتحمّل حرارة المحركات الكهربائية السريعة في المساحات الضيقة مثل رؤوس الصواريخ.
وفي 4 أبريل (نيسان) الماضي، أوقفت الصين تصدير7 أنواع من معادن الأرض النادرة، بالإضافة إلى المغناطيسات المصنوعة منها. وتتحكم الصين بمعظم الإمداد العالمي من هذه المواد.

وأعلنت وزارة التجارة الصينية، أن لهذه المواد استخدامات مدنية وعسكرية، وأن أي صادرات إضافية ستُسمح فقط بتراخيص خاصة. وقالت الوزارة إن هذه الخطوة تهدف إلى “حماية الأمن القومي والوفاء بالالتزامات الدولية مثل عدم الانتشار”.
وبدأت الوزارة بإصدار بعض التراخيص لمغناطيسات تحتوي على عنصرين من العناصر النادرة المقيدة، هما الديسبروسيوم والتيربيوم، لصانعي السيارات في أوروبا والولايات المتحدة.
وتُستخدم هذه المغناطيسات في أنظمة الفرامل والتوجيه، ويمكنها تحمّل حرارة محركات البنزين المجاورة، لكنها لا تتحمل الحرارة العالية المطلوبة في التطبيقات العسكرية. ولم تظهر أي مؤشرات على موافقة الصين على تصدير الساماريوم، الذي لا يُستخدم كثيراً في الاستخدامات المدنية.
الأولوية الأمريكية
وانطلقت أمس الإثنين، محادثات تجارية بين مسؤولين صينيين وأمريكيين في لندن، تستمر يومين. ويُعد استئناف تدفق معادن الأرض النادرة أولوية للجانب الأمريكي، لكن قلة يتوقعون أن تُلغي الصين نظام التراخيص الجديد بالكامل.
وقال مايكل هارت، رئيس غرفة التجارة الأمريكية في الصين، والذي ينسق جهود القطاع الخاص الأمريكي في بكين للحصول على مزيد من المواد النادرة للصحيفة: “لا أعتقد أن ذلك سيزول”.
وبحسب التقرير، يعد المستخدم الرئيسي للساماريوم في الولايات المتحدة شركة “لوكهيد مارتن”، وهي شركة مقاولات دفاعية تستخدم حوالي 50 رطلاً من مغناطيسات الساماريوم في كل مقاتلة من طراز “F-35”.

وردّت الشركة على الاستفسارات ببيان مقتضب: “نحن نُقيّم باستمرار سلسلة إمداد معادن الأرض النادرة العالمية، لضمان الوصول إلى المواد الحيوية التي تدعم مهمات عملائنا. أما الأسئلة المتعلقة بسلسلة الإمداد، فالأفضل أن تُوجّه إلى الحكومة الأمريكية”.
وتقول الصحيفة، إن الإدارة الأمريكية أعربت عن قلقها الشديد من غياب مصدر محلي للساماريوم، مما دفعها لإبرام عقود لبناء منشأتين لإنتاج هذا المعدن. ولكن لم تُبْنَ أي من المنشأتين لأسباب تجارية، مما أبقى الولايات المتحدة معتمدة تماماً على الصين.
ويأتي هذا في وقت تسارع فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون، لإعادة بناء مخزوناتهم من الأسلحة المتقدمة، التي استُنزفت بسبب شحنات إلى أوكرانيا عقب الهجوم الروسي، وكذلك إلى إسرائيل خلال الحرب في غزة.
تايوان في قلب الصراع
كما تسعى إدارة الرئيس دونالد ترامب كذلك لتزويد تايوان، التي تعتبرها بكين جزءاً من أراضيها، بمزيد من الأسلحة. وفي الوقت نفسه، فرضت الصين عقوبات على بعض شركات الدفاع الأمريكية بسبب تزويدها لتايوان، إضافة إلى القيود المفروضة على صادرات المعادن النادرة للاستخدام العسكري.
وهذه العقوبات تمنع الآن الشركات والأفراد الصينيين، من أي تعامل مالي مع المتعاقدين العسكريين الأمريكيين. ورغم أن ذلك لم يؤثر كثيراً سابقاً على صناعة الساماريوم، إلا أن التغييرات الأخيرة في نظام التراخيص حدّت من تدفق المعدن.
وبحسب التقرير، فتنص الضوابط الصينية الجديدة على إصدار التراخيص بناءً على المستخدم النهائي للمعدن، مما يجعل المتعاقدين العسكريين في الواجهة مباشرة.

وأشار الخبير ستانلي تراوت، إلى أن 6 من المعادن السبعة المقيدة تستخدم في أغراض مدنية، في حين يُستخدم الساماريوم “تقريباً حصرياً في المجالات العسكرية”.
ورغم أن القوانين الأمريكية تشترط صهر أو صب المغناطيسات العسكرية داخل الولايات المتحدة أو دول صديقة، إلا أنها تسمح باستيراد المواد الخام من أي مكان، ولهذا كان الساماريوم يُستورد من الصين منذ سنوات.
صعوبات التعدين المحلي
ورغم وجود المعادن النادرة في عدة مناطق حول العالم، إلا أن تركيزها عادةً ما يكون منخفضاً، وتتطلب عملية فصلها أكثر من 100 مرحلة كيميائية باستخدام أحماض قوية جداً، بحسب الصحيفة.
ومنجم ماونتن باس لم يُنتج الساماريوم سابقاً، ولم يُدرجه ضمن خطة التوسعة. وقد أعيد تشغيله في 2014 لإنتاج معادن أخرى، ثم أُغلق مجدداً بعد عام واحد وأعلن إفلاسه بسبب المنافسة الصينية.
وقد استحوذت شركة “MP Materials” على المنجم وبدأت تشغيله في 2018، لكنها كانت ترسل الخام إلى الصين للمعالجة. وفي أوائل 2022، حصلت على 35 مليون دولار من وزارة الدفاع الأمريكية لبدء إنتاج الساماريوم وعدة معادن أخرى.
وثم استثمرت 100 مليون دولار من أموالها الخاصة في شراء معدات المعالجة، بحسب مديرها التنفيذي جيمس ليتينسكي.
وبعدها مُنحت شركة “Lynas Rare Earths” الأسترالية مبلغ 351 مليون دولار، لبناء منشأة إنتاج في تكساس. لكن المشروع لم يُنفذ، بعد أن حصلت الشركة على تمديد لتصريح التنقيب في ماليزيا.
وقال ليتينسكي إن “السوق صغيرة جداً بحيث لا تُبرر وجود منتجين داخل أمريكا، ولهذا لم تُركب الشركة معدات الساماريوم حتى اليوم، وهي ما تزال مخزنة”. وأكد أن MP Materials مستعدة لتركيبها فقط، إذا حصلت على شروط مالية أفضل من المشترين. وأضاف “لقد شعرنا أننا خُدعنا تماماً في هذا الملف”.







